ما يُخذَلُ ولا يُعانُ ويَغشاهُ الظُّلَمُ مِن كُلِّ مَكانٍ ، وصاحِبُهُ فيهِ بَينَ أمرَينِ ، إن أصابَ فيهِ الحَقَّ فَبِالحَرِيِّ أن يَسلَمَ ، وإن أخطَأَ أخطَأَ طَريقَ الجَنَّةِ ، ومَن يَكُن فِي الدُّنيا ذَليلًا وضَعيفًا كانَ أهوَنُ عَلَيهِ فِي المَعادِ أن يَكونَ فيهِ حَكَمًا سَرِيًّا شَريفًا ، ومَنِ اختارَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ يَخسَرُهُما كِلتَيهِما ، تَزولُ هذِهِ ولا تُدرَكُ تِلكَ .
قالَ : فَتَعَجَّبَتِ المَلائِكَةُ مِن حِكمَتِهِ واستَحسَنَ الرَّحمنُ مَنطِقَهُ ، فَلَمّا أمسى وأخَذَ مَضجَعَهُ مِنَ اللَّيلِ أنزَلَ اللّهُ عَلَيهِ الحِكمَةَ فَغَشّاهُ بِها مِن قَرنِهِ إلى قَدَمِهِ وهُوَ نائِمٌ ، وغَطّاهُ بِالحِكمَةِ غِطاءً فَاستَيقَظَ وهُوَ أحكَمُ النّاسِ في زَمانِهِ ، وخَرَجَ عَلَى النّاسِ يَنطِقُ بِالحِكمَةِ ويُثبِتُها فيها « 1 » .
5 / 6 : قُسُّ بنُ ساعِدَةَ
1876 : الإمام الباقر عليه السلام : بَينا رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله ذاتَ يَومٍ بِفِناءِ الكَعبَةِ يَومَ افتَتَحَ مَكَّةَ إذ أقبَلَ إلَيهِ وَفدٌ فَسَلَّموا عَلَيهِ ، فَقالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : مَنِ القَومُ ؟ قالوا : وَفدُ بَكرِ بنِ وائِلٍ ، قالَ : فَهَل عِندَكُم عِلمٌ مِن خَبَرِ قُسِّ بنِ ساعِدَةَ الأَيادِيِّ ؟ قالوا : نَعَم يا رَسولَ اللّهِ ، قالَ : فَما فَعَلَ ؟ قالوا : ماتَ ، فَقالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : الحَمدُ للّهِ رَبِّ المَوتِ ورَبِّ الحَياةِ ، كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ « 2 » ، كَأَنّي أنظُرُ إلى قُسِّ بنِ ساعِدَةَ الأَيادِيِّ وهُوَ بِسوقِ عُكاظٍ عَلى جَمَلٍ لَهُ أحمَرَ وهُوَ يَخطُبُ النّاسَ ويَقولُ :
اجتَمِعوا أيُّهَا النّاسُ ، فَإِذَا اجتَمَعتُم فَأَنصِتوا ، فَإِذا أنصَتُّم فَاسمَعوا ، فَإِذا سَمِعتُم فَعوا ، فَإِذا وَعَيتُم فَاحفَظوا ، فَإِذا حَفِظتُم فَاصدُقوا .
هامش
( 1 ) إشارة إلى الآية 185 من آل عمران .
( 2 ) تمور : أي تذهب وتجيء ( لسان العرب : 5 / 187 ) .