ولا يقاس المقام بمسألة الإفتاء ؛ إذ لا مانع من تعدّد المفتين ، وإن اختلفوا في الفتيا ؛ لإمكان تقليد طائفة من هذا وطائفة من ذاك .
ولا بمسألة القضاء ؛ لعدم المانع من تعدّد القضاة أيضاً حتّى في بلدٍ واحد ، ولا تترتّب عليه مفسدة بعد ما كان اختيار القاضي بيد المدّعي .
ولا بمسألة ولاية الأب والجَدّ على الصغير وماله ؛ إذ لا يترتّب عليه مفسدة ، وإن كان قد يتّفق الاختلاف ؛ فإنّ أيّهما سبق إلى تصرّف ، كان هو النافذ ، ولا ينفذ الآخر ؛ ومع التعارض ، يقدّم الجدّ .
وهذا كلّه بخلاف إمامة أكثر مِن واحد وحكومته على ملّة كبيرة أو صغيرة ؛ فإنّه لا إشكال في عدم صحّة ذلك عقلًا وشرعاً ، وحصول الاختلاف طبعاً بين عزم الواليين والحاكمين ، واتّفاق تصادم الإرادتين ، فينجرّ إلى فساد أمر الامّة ؛ فإنّه قد يأمر أحدهما بالحرب ، والآخر بالصلح ، وما أشبه ذلك من موارد كثيرة .
قال تعالى : « لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ » . « 1 »
وقال تعالى : « وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ » . « 2 »
وحينئذٍ فنقول في صورة تعدّد الصالحين للولاية : لابدّ من العلاج بالقول بأحد الأمور التالية :
الأوّل : تصدّي الجميع بالولاية على نحو تقسيم النواحي والمناطق الواقعة تحت سيطرتهم ، وحكومة كلّ فقيه في ناحية .
الثاني : تصدّيهم على نحو التقسيم الزماني ، فيتصدّى كلّ واحدٍ على جميع الامّة عاماً أو أعواماً .
الثالث : تعيّنُ كلّ مَن سبق إلى الأمر واشتغل به ، حيث إنّ الولاية حينئذٍ تكون من الواجبات الكفائيّة بين صُلحاء الولاية بشرط انفراد القائم بها ؛ فمن أقدم على الأمر ،
هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 22 . .
( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 91 . .