ثمّ قال :
لكنّ الإنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنّها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعيّة ، لا كونهم كالنبيّ والأئمّة عليهم السلام في كونهم أولى الناس في أموالهم . فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من المكلّف ، فلا دليل على وجوب الدفع إليه شرعاً .
نعم ، لو ثبت شرعاً اشتراط صحّة أدائهما بدفعه إلى الفقيه - مطلقاً ، أو بعد المطالبة - وأفتى بذلك الفقيه ، وجب اتّباعه [ . . . ] فيخرج عن محلّ الكلام .
هذا مع أنّه لو فرض العموم فيما ذكر من الأخبار ، وجب حملها على إرادة الجهة المعهودة المتعارفة من وظيفته ، من حيث كونه رسولًا مبلِّغاً ، وإلّالزم تخصيص أكثر أفراد العامّ ؛ لعدم سلطنة الفقيه على أموال الناس وأنفسهم إلّا في موارد قليلة بالنسبة إلى موارد عدم سلطنته .
وبالجملة ، فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام إلّاما خرج بالدليل دونه خرط القتاد . « 1 »
ولا يخفى ما في كلامه قدس سره :
أمّا أوّلًا : فلأنّ جعل الإفتاء منصباً مجعولًا من ناحية الشرع للفقيه غير سديد ؛ إذ المجعول له هو حجّيّة الرأي والفتوى ، كحجّيّة رواية العدل والثقة ، وإخبار ذي اليد ، ونحوها ؛ إذ لا يستفاد من أدلّته - من السيرة العقلائيّة الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم ، والرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ فنّ ، وقوله تعالى : « فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ » ، « 2 » وقوله تعالى : « وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » « 3 » وغيرها - إلّا كون إخباره حجّة ، وكون إفتائه واجب القبول ، وهو ليس بمنصب .
هامش
( 1 ) . المصدر ، ج 3 ، ص 553 . .
( 2 ) . النحل ( 16 ) : 43 ؛ الأنبياء ( 21 ) : 7 . .
( 3 ) . التوبة ( 9 ) : 122 . .