تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
أيكم يأتيني بعرشها ( 1 ) . من البديهي أن الله سبحانه ليس له عرش ، ولا محكومة كحكام البشر ، بل المراد من عرش الله كل عالم الوجود الذي يعتبر عرشه ، وبناء على هذا فإن قوله تعالى : استوى على العرش كناية عن تسلط الله ، وإحاطته الكاملة بعالم الوجود ، ونفوذ أمره وتدبيره في جميع أنحاء العالم . وأساسا فإن كلمة " عرش " في لغة العرب ، كناية عن القدرة غالبا ، فنقول مثلا : إن فلانا قد أنزلوه من العرش ، أو أزاحوه عنه ، فهذا يعني أنهم قد أنهوا حكمه وقدرته ، أو نقول : ثل عرشه . وعلى كل حال ، فإن من السخف أن يتوهم الإنسان من هذا التعبير جسمية الله سبحانه . ثم تتحدث عن مالكية الله بعد حاكميته فتقول : له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى . " الثرى " في الأصل بمعنى التراب الرطب ، ولما كانت قشرة الأرض - فقط - هي التي تجف نتيجة لأشعة الشمس وهبوب الرياح ، وتبقى الطبقة السفلى - غالبا - رطبة ، فإنه يقال لهذه الطبقة : ثرى ، وعلى هذا فإن وما تحت الثرى تعني أعماق الأرض وجوفها ، وكلها مملوكة لمالك الملك وخالق عالم الوجود . إلى هنا بينت ثلاثة أركان من أركان صفات الله : الركن الأول : " خالقيته " ، والثاني : " حاكميته " ، والثالث : " مالكيته " . وأشارت الآية التالية إلى الركن الرابع ، أي : " العالمية " ، فقالت : وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى . وهناك نقاش وبحث بين المفسرين في المراد من " أخفى " هنا : فذهب بعضهم إلى أن السر هو أن يتحدث إنسان مع آخر بصورة خفية ،
هامش
1 - النمل ، 38 .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 528 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي