شرح
فلو قال الوليّ : زوّجتك ابنتي ، وانفضّ المجلس قبل أن يقول الزوج : قبلت ، ثمّ قال : قبلت في مجلسٍ آخر ، أو في مكان آخر لم يصحّ ، واختلفوا في الفور - يعني النطق - بالقبول عقيب الإيجاب بدون فاصل ، فاتّفق الحنابلة والحنفيّة على أنّ الفور ليس بشرط ما دام المجلس قائماً عرفاً ، أمّا إذا تشاغلا بما يقطع عرفاً فيه لا يصحّ ، واشترط الشافعيّة والمالكيّة الفور واغتفروا الفاصل اليسير الذي لا يقطع الفور عرفاً » « 1 » .
وفيه أيضاً : « ويستثنى من ذلك الإيصاء بالتزويج ، فإنّه يغتفر فيه الفاصل الطويل ، فإذا قال : إن مِتّ فقد زوّجت ابنتي لفلان فإنّه يصحّ ولا يلزم أن يجيبه الموصى له على الفور بقوله : قبلت ، بل يصحّ إذا قبل الزوج بعد موت الموصي ، سواء كان القبول بعد موته بمدّةٍ قريبةٍ أو بعيدة . . . ، ومثل ذلك ما إذا قال : زَوّجت ابنتي لفلان إن رضى ، فإنّه إذا رضى ينعقد النكاح ، ولا يلزم أن يكون موجوداً في المجلس ، بل يصحّ أن يرضى بعد علمه ولو بزمنٍ طويل . والإيصاء بالنكاح والتعليق على الرضى ينعقد بهما عند المالكيّة خلافاً لغيرهم » « 2 » .
والمتحصّل منها : إتّفاق الفريقين - عدا المالكيّة - على اشتراط اتّحاد مجلس الإيجاب والقبول ، بل وعدم التشاغل بغير ما يتعلّق بالعقد من مقالٍ أو فعالٍ بحيث ينقطع الاتّصال ، ولا يعدّ القبول قبولًا للإيجاب ، ووقوع الاختلاف في الجملة في لزوم الاتّصال الكلامي بينهما وعدمه .
والذي ينبغي أن يقال : إنّ مورد البحث في لزوم الموالاة وعدمه ليس لفظ العقد المركّب من الإيجاب والقبول ، وإن كان يظهر ذلك من بعضهم ، حيث يشترطون الاتّصال الكلامي ، ويستشكلون في جواز قول القائل : الحمد للّه قبل إنشاء القبول .
بل الحقّ أنّ مورد البحث هو العقد بمعنى المعاقدة والالتزام المرتبطين ، الحاكي عنهما عبارة الإيجاب والقبول ، وهذا هو العقد حقيقةً ، وهو الذي يعتبر اتّصال أجزائه وارتباط
هامش
( 1 ) . الفقه على المذاهب الأربعة 4 : 24 .
( 2 ) . نفس المصدر 4 : 32 .