شرح
قد عرفت أنّ مفاد الضمان عند العرف والشرع على ما بيّنّا نقل الذمّة إلى الذمّة أو ضمّ ذمّة إلى ذمّة ، والموضوع في كليهما الثابت في الذمّة ، وقد مرّ أنّ الآية الشريفة محمولة على إرادة التعهّد العرفي لا العقدي ، أو أنّ قوله : وَأَنَا بِهِ زَعيمٌ بيان لكون الجاعل نفسه .
نعم ، لو قلنا : إنّ عقد الجعالة سبب تامّ في ثبوت الجعل في الذمّة ، وإن عرض له البطلان أحياناً بعدم إتمام العمل أو بالفسخ ونحوه ، صحّ الضمان حينئذ ، لكنّه خلاف الحقّ .
قال في « العروة الوثقى » : « فلو قال : أقرض فلاناً كذا وأنا ضامن ، أو بعه نسيئة وأنا ضامن ، لم يصحّ على المشهور ، بل عن « التذكرة » الإجماع ، قال : لو قال لغيره : مهما « 1 » أعطيت فلاناً فهو عليّ ، لم يصحّ إجماعاً « 2 » « 3 » . . . ويمكن أن يقال بالصحّة إذا حصل المقتضي للثبوت وإن لم يثبت فعلًا ، بل مطلقاً ؛ لصدق الضمان وشمول العمومات العامّة ، وإن لم يكن من الضمان المصطلح عندهم ، بل يمكن منع عدم كونه منه أيضاً » « 4 » انتهى .
ولا يخفى عليك عدم صدق العمومات على ما إذا لم يثبت سببه ، وفي ما ثبت ذلك أيضاً إشكال ، بل هو أيضاً كذلك ، وكونه عقد آخر يحتاج إلى ثبوت عقديته عند العرف ، وهو مشكل ، ولذا استشكل على ما في « العروة » أكثر محشّيها .
وفي حاشية المحقّق النائيني على « العروة » : « نعم يصحّ ضمان مال الجعالة ونحوه قبل أن يشتغل به ذمّة المضمون عنه ؛ لكونه تعهّداً والتزاماً من الضامن ، وإلغاءً لتعهّد المضمون عنه ، لا لكونه تحويلًا له من ذمّة « 5 » إلى ذمّة « 6 » كي يندرج في ما عرفت امتناعه » « 7 » . انتهى .
هامش
( 1 ) . في التذكرة : « ما » بدل « مهما » .
( 2 ) . في التذكرة : « لم يصحّ أيضاً عند علمائنا أجمع » .
( 3 ) . تذكرة الفقهاء 14 : 309 .
( 4 ) . العروة الوثقى 5 : 407 .
( 5 ) . في المصدر : « ذمّته » .
( 6 ) . في المصدر : « إلى ذمّة نفسه » .
( 7 ) . العروة الوثقى 5 : 407 - 408 ، حاشية المحقّق النائيني رحمه الله .