ثم إن الآيات التي نبحثها تشهد على ما نقول ، إذ أن قوله تعالى : من كان
يريد العاجلة . . . هو خطاب لأولئك الذين يستهدفون هذه الحياة العادية الزائلة ،
ويقفون عندها .
وعادة فإن استخدام تعابير " المزرعة " أو " المتجر " وما شاكلهما في تشبيه
الحياة الدنيا ووصفها ، يعتبر دليلا حيا على هذا الموضوع .
وخلاصة القول : إنه إذا تمت الاستفادة من مواهب الدنيا وعطاياها التي تعتبر
من النعم الإلهية ، ويعتبر وجودها ضروريا في نظام الخلق والوجود ، وتمت
الاستفادة في سعادة الإنسان الأخروية وتكامله المعنوي ، فإن ذلك يعتبر أمرا
جيدا ، وتمتدح معه الدنيا . أما إذا اعتبرناها هدفا لا وسيلة ، وأبعدناها عن القيم
المعنوية والإنسانية ، عندها سيصاب الإنسان بالغرور والغفلة والطغيان والبغي
والظلم .
وما أجمل وصف الإمام علي ( عليه السلام ) للدنيا حينما يقول : " من أبصر بها بصرته ،
ومن أبصر إليها أعمته " ( 1 ) . وفي أن الفرق بين الدنيا المذمومة والدنيا الممدوحة ،
هو نفس الفرق الذي نستفيده ، بين " إليها " و " بها " ، إذ تعني الأولى أن الدنيا هدف ،
بينما تعني الثاني أنها مجرد وسيلة !
3 ثانيا : دور السعي في تحقيق المكاسب :
هذه ليست المرة الأولى التي يشيد فيها القرآن بالسعي والجهد ودورهما في
تحقيق المكاسب ، وبعكسه يحذر الأشخاص العاطلين والكسالى بأن السعادة
الأخروية لا يمكن ضمانها بالكلام المجرد ، والتظاهر بالإيمان ، بل الطريق يتمثل
بالسعي وبذل الجهود .
هامش
1 - يراجع نهج البلاغة ، الخطبة رقم ( 82 ) .