الإيمان ، السعي والعمل ووضع الآخرة ومنازلها نصب أعينهم .
وتعتبر هذه الآيات - أيضا - تأكيدا ثانيا لدعوة القرآن إلى أفضل السبل
وأكثرها استقامة . في البداية تبدأ هذه الآيات بالتوحيد وتقول : لا تجعل مع الله
إلها آخر إنها لم تقل : لا تعبد مع الله إلها آخر ، بل تقول : لا تجعل هذا اللفظ
أشمل وأوسع ، إذ هو يعني : لا تجعل معبودا آخر مع الله لا في العقيدة ، ولا في
العمل ، ولا في الدعاء ، ولا في العبودية . بعد ذلك توضح الآية النتيجة القاتلة
للشرك : فتقعد مذموما مخذولا .
إن استعمال كلمة " القعود " تدل على الضعف والعجز ، فمثلا يقال : قعد به
الضعف عن القتال . ومن هذا التعبير يمكن أن نستفيد أن للشرك ثلاثة آثار سيئة
جدا في وجود الإنسان ، هي :
1 - الشرك يؤدي إلى الضعف والعجز والذلة ، في حين أن التوحيد هو أساس
الحركة والنهوض والرفعة .
2 - الشرك موجب للذم واللوم ، لأنه خط انحرافي واضح في قبال منطق
العقل ، ويعتبر كفرا واضحا بالنعم الإلهية ، لذا فالشخص الذي يسمح لنفسه بهذا
الانحراف يستحق الذم .
3 - الشرك يكون سببا في أن يترك الله سبحانه وتعالى الإنسان إلى الأشياء
التي يعبدها ، ويمنع عنه حمايته ، وبما أن هذه المعبودات المختلفة والمصطنعة لا
تملك حماية أي إنسان أو دفع الضرر عنه ، ولأن الله لا يحمي مثل هؤلاء ، لذا
فإنهم يصبحون " مخذولين " أي بدون ناصر ومعين .
إن هذا المعنى يتضح بشكل آخر في آيات قرآنية أخرى ، إذ نقرأ مثلا في
الآية ( 41 ) من سورة العنكبوت : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل
العنكبوت اتخذت بيتا ، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون .
بعد تبيان هذا الأصل التوحيدي ، تشير الآيات إلى واحدة من أهم توجيهات
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 448
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٤٨