تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
هناك نقاش بين المفسرين حول نوع العذاب المقصود هنا ، وهل هو نوع من أنواع العذاب الذي يقع في الدنيا أو في الآخرة ، أم المقصود به هو عذاب " الإستيصال " الذي يعني العذاب الشامل المدمر كطوفان نوح مثلا ؟ إن ظاهر الآية الكريمة يدل على الإطلاق ، وهو بالتالي يشمل كل أنواع العذاب . وهناك نقاش آخر - أيضا - بين المفسرين حول قاعدة وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وهل أن الحكم فيها يخص المسائل الشرعية التي يعتمد فهمها على الأدلة النقلية فقط ، أو أنه يشمل جميع المسائل العقلية والنقلية في الأصول والفروع ؟ في الواقع ، إذا أردنا العمل بظاهر الآية الذي يفيد الإطلاق ، فينبغي القول أنها تشمل جميع الأحكام العقلية والنقلية ، سواء ارتبطت بأصول أو فروع الدين . ومفهوم هذا الكلام أنه حتى في المسائل العقلية البحتة التي يقطع " العقل المستقل " بحسنها وقبحها مثل حسن العدل وقبح الظلم ، فإنه ما لم يأت الأنبياء ، ويؤيدون حكم العقل بحكم النقل ، فإن الله تبارك وتعالى لا يجازي أحدا بالعذاب . للطفه ورحمته بالعباد . ولكن هذا الموضوع مستبعد وضعيف الاحتمال ، لأنه يصطدم مع قاعدة أن المستقلات العقلية لا تحتاج إلى بيان الشرع ، وحكم العقل في إتمام الحجة في هذه الموارد يعتبر كافيا ومجزيا ، لذلك فلا طريق أمامنا إلا أن نستثني المستقلات العقلية عن مجال عمل القاعدة المذكورة . وإذا لم نستثن ذلك فسيكون معنى العذاب في هذه الآية هو " عذاب الإستيصال " وسيكون المفاد الأخير للمعنى هو أن الله سبحانه وتعالى لرحمته ولطفه بالعباد لا يهلك الظالمين والمنحرفين إلا بعد أن يبعث الأنبياء ، وتستبين جميع طرق السعادة والهداية ، حتى تطابق حجة الشرع حجة العقل المستقل ، وتتم الحجة بذلك من طريقي العقل والنقل ( فتأمل ذلك ) .