وها هو ولدة " عمار " الذي خرجت منه كلمة بين صفير الأسواط وشدة الآلام
تنم عن حالة الضعف ظاهرا ، وبالرغم من اطمئنانه بإيمانه وتصديقه لنبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إلا
أنه اغتم كثيرا وارتعدت فرائصه حتى طمأنه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحلية ما فعل به حفظا
للنفس ، فهدأ .
ويطالعنا تأريخ ( بلال ) عندما اعتنق الإسلام راح يدعو له ويدافع عن
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فشد عليه المشركون حتى أنهم طرحوه أرضا تحت لهيب الشمس
الحارقة ، وما اكتفوا بذلك حتى وضعوا صخرة كبيرة على صدره وهو بتلك الحال ،
وطلبوا منه أن يكفر بالله ولكنه أبى أن يستجيب لطلبهم وبقي يردد : أحد أحد ، ثم
قال : أقسم بالله لو علمت قولا أشد عليكم من هذا لقلته .
ونقرأ في تاريخ ( حبيب بن زيد ) أنه لما أسره مسيلمة الكذاب فقد سأله : هل
تشهد أن محمدا رسول الله ؟
قال : نعم .
ثم سأله : أتشهد أني رسول الله ؟
فأجابه ساخرا : إني لا أسمع ما تقول ! فقطعوه إربا إربا ( 1 ) .
والتأريخ الإسلامي حافل بصور كهذه ، خصوصا تأريخ المسلمين الأوائل
وتأريخ أصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) .
ولهذا قال المحققون : إن ترك التقية وعدم التسليم للأعداء في حالات كهذه ،
عمل جائز حتى لو أدى الأمر إلى الشهادة ، فالهدف سام وهو رفع لواء التوحيد
وإعلاء كملة الإسلام ، وخاصة في بداية دعوة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حيث كان لهذا الأمر
أهمية خاصة .
ومع هذا ، فالتقية جائزة في موارد ، وواجبة في موارد أخرى ، وخلافا لما
هامش
1 - في ظلال القرآن ، ج 5 ، ص 284 .