ولعل لهذا السبب عرض الفخر الرازي في تفسيره عند مواجهته لهذا الإشكال
توجيها لا يخلو من إشكال أيضا حيث قال : ( فحصل من هذا أن عصرا من
الأعصار لا يخلو من شهيد على الناس ، وذلك الشهيد لابد أن يكون غير جائز
الخطاء وإلا لافتقر إلى شهيد آخر ، ويمتد ذلك إلى غير النهاية ، وذلك باطل ، فيثبت
أنه لابد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ، وذلك يقتضي أن يكون إجماع
الأمة حجة ) ( 1 ) .
لو أن الفخر الرازي تجاوز قليلا حدود عقائده لم يكن ليسقط في هكذا
تناقض وعناد فاحش . لأن القرآن يقول : يوم يبعث في كل أمة شهيدا عليهم
من أنفسهم وليس مجموع الأمة شاهدا على كل فرد من أفراد الأمة .
وكما ذكرنا عند تفسيرنا للآية ( 41 ) من سورة النساء أن هناك احتمالين
آخرين في تفسير " هؤلاء " :
الأول : أن " هؤلاء " إشارة إلى شهداء الأمم السابقة من الأنبياء ( عليهم السلام )
والأوصياء ، فيكون النبي شاهدا على هذه الأمة وشاهدا على الأنبياء السابقين
أيضا .
الثاني : المقصود من الشاهد هنا هو الشاهد العملي ، أي : شخص يكون وجوده
قدوة وميزانا لتمييز الحق من الباطل .
( والمزيد من الإيضاح ، راجع ذيل الآية ( 41 ) من سورة النساء ) .
وبما أن جعل الشاهد فرع لوجود برنامج كامل وجامع للناس بما تتم فيه
الحجة عليهم ، ويصح فيه مفهوم النظارة والمراقبة ، لذا يقول القرآن بعد ذلك
مباشرة : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى
للمسلمين .
هامش
1 - تفسير الفخر الرازي ، ج 30 ، ص 98 .