ويوضح هذا الحديث صيرورة الفرد من أهل البيت معنويا إن سار على
خطهم وتابع منهجهم .
وعن الإمام علي ( عليه السلام ) قال : " نحن آل إبراهيم ، أفترغبون عن ملة إبراهيم ! وقد
قال الله تعالى : فمن تبعني فإنه مني " .
3 5 - واد غير ذي زرع والحرم الآمن
الذين سافروا إلى مكة يعلمون جيدا أنها تقع بين جبال صخرية يابسة لا ماء
فيها ولا كلأ ، وكأن الصخور وضعت في أفران حارة ثم صبت في أماكنها . وفي
نفس الوقت فهي أكبر مركز للعبادة وأقدم قاعدة للتوحيد على وجه المعمورة ،
وكذلك هي حرم الله الآمن .
وهنا قد يرد هذا السؤال في أذهان الكثيرين وهو : لماذا جعل الله هذا المركز
المهم في مثل هذه الأرض ؟
يجيب الإمام علي ( عليه السلام ) على هذا السؤال من خلال أوضح العبارات وأجمل
التعابير الفلسفية خطبته القاصعة حيث يقول : " وضعه بأوعر بقاع الأرض صخرا
وأقل نتائق الدنيا مدرا . . . بين جبال خشنة ورمال دمثة . . . ولو أراد سبحانه أن يضع
بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وأنهار وسهل وقرار ، جم الأشجار ، داني
الثمار ، ملتف البنا ، متصل القوى ، بين برة سمراء وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ،
وعراص مغدقة ورياض ناظرة وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على
حسب ضعف البلاء ، ولو كان الأساس المحمول عليها والأحجار المرفوع بها بين
زمردة خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء ، لخفف ذلك مصارعة الشك في
الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الريب من الناس ،
ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم
بضروب المكاره ، إخراجا للتكبر من قلوبهم ، وإسكانا للتذلل في نفوسهم وليجعل
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 530
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٣٠