تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
المعنويات وإحباط المؤمنين أبدا . فقد كان الموسم موسم اقتطاف الثمار وجمع المحاصيل الزراعية ، وكان هذا الموسم للمزارعين يعد فصلا مصيريا ، إذ فيه رفاه سنتهم هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، فإن بعد المسافة وحرارة الجو - كما أشرنا آنفا - كل ذلك كان من العوامل المثبطة للمسلمين في حركتهم نحو مواجهة الأعداء . فنزل الوحي ليشد من أزر الناس ، والآيات تترى الواحدة بعد الأخرى لإزالة الموانع والأسباب المثبطة . ففي الآية الأولى - من الآيتين محل البحث - يدعو القرآن المسلمين إلى الجهاد بلسان الترغيب تارة وبالعتاب تارة أخرى وبالتهديد ثالثة فهو يدعوهم ويهيؤهم إلى الجهاد ، ويدخل إليهم من كل باب . إذ تقول الآية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض . " اثاقلتم " فعل مشتق من الثقل ، ومعناه واضح إذ هو خلاف " الخفيف " وجملة " اثاقلتم " كناية عن الرغبة في البقاء في الوطن وعدم التحرك نحو سوح الجهاد ، أو الرغبة في عالم المادة واللصوق بزخارفها والانشداد نحو الدنيا ، وعلى كل حال فالآية تخاطب من كان كذلك من المسلمين - ضعاف الإيمان - لا جميعهم ، ولا المسلمين الصادقين وعاشقي الجهاد في سبيل الله . ثم تقول الآية مخاطبة إياهم بلهجة الملامة : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل . فكيف يتسنى للإنسان العاقل أن يساوم مساومة الخسران ، وكيف يعوض متاعا غاليا لا يزول بمتاع زائل لا يعد شيئا ؟ ! ثم تتجاوز الآية مرحلة الملامة والعتاب إلى لهجة أشد وأسلوب تهديدي جديد ، فتقول : إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 53 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي