تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
نبتلي الناس بالمشاكل والنكبات من أجل إيقاظهم وتنبيههم ، ثم نرفع هذا البلاء عنهم ونذيقهم طعم الراحة والهدوء بعد تلك الضراء ، فإنهم بدلا من أن ينتبهوا لهذه الآيات ويرجعوا إلى الصواب ، يسخرون بها ، أو يفسرونها بتفسيرات غير صحيحة ، فمثلا يفسرون الابتلاءات والمشاكل بأنها نتيجة غضب الأصنام ، والنعم والطمأنينة بأنها دليل على شفقتها ، أو أنهم يعدون كل هذه الأمور صدفة محضة : وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا . إن كلمة " مكر " في الآية أعلاه ، والتي تعني بشكل عام إعمال الفكر ، تشير إلى التوجيهات الخاطئة وطرق التهرب التي يفكر بها المشركون عند مواجهة الآيات الإلهية ، وظهور أنواع البلايا والنعم . إلا أن الله سبحانه حذر هؤلاء بواسطة نبيه ، وأمره أن قل الله أسرع مكرا . وكما أشرنا مرارا ، إلى أن المكر في الأصل هو كل نوع من التخطيط المقترن بالعمل المخفي ، لا المعنى الذي يفهم من هذه الكلمة اليوم ، وهو الاقتران بنوع من الشيطنة ، وعلى هذا فإنه يصدق على الله سبحانه كما يصدق على العباد ( 1 ) . لكن ما هو مصداق المكر الإلهي في هذه الآية ؟ الظاهر أنها إشارة إلى نفس تلك العقوبات الإلهية التي يحل بعضها في نهاية الخفاء وبدون أية مقدمة وبأسرع ما يكون ، بل إنه يعاقب ويعذب بعض المجرمين بأيديهم أحيانا . ومن البديهي أن من هو أقدر من الكل وأقوى من الجميع على دفع الموانع وتهيئة الأسباب ، ستكون خططه - أيضا - هي الأسرع . وبتعبير آخر فإن الله سبحانه في أي وقت يريد أنزال العقاب بأحد العباد أو تنبيهه ، فإن هذا العقاب سيتحقق مباشرة ، في حين أن الآخرين ليسوا كذلك . ثم يهدد هؤلاء بأن لا تظنوا أن هذه المؤامرات والخطط ستنسى ، بل إن رسلنا - أي الملائكة - يكتبون كل هذه المخططات التي تهدف إلى إطفاء نور الحق : إن
هامش
( 1 ) لمزيد التوضيح راجع المجلد الثاني من تفسيرنا هذا ، ذيل الآية ( 54 ) من سورة آل عمران .