تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
ومن هنا فإن خطاب الآية الأولى موجه للناس ، فهي تقول : لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، خاصة وأنه قد وردت لفظة من أنفسكم بدل منكم ، وهي تشير إلى شدة ارتباط النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالناس ، حتى كأن قطعة من روح الناس والمجتمع قد ظهرت بشكل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ولهذا السبب فإنه يعلم كل آلامهم ، ومطلع على مشاكلهم ، وشريكهم في غمومهم وهمومهم ، وبالتالي لا يمكن أن يتصور صدور كلام منه إلا في مصلحتهم ، ولا يخطو خطوة إلا في سبيلهم ، وهذا في الواقع أول وصف للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذكر في هذه الآية . ومن العجيب أن جماعة من المفسرين الذين وقعوا تحت تأثير العصبية القومية والعربية قالوا : إن المخاطب في هذه الآية هم العرب ! أي أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد جاءكم من هذا الأصل ! . إننا نعتقد أن هذا هو أسوأ تفسير ذكر لهذه الآية ، لأنا نعلم أن الشئ الذي لم يجر له ذكر في القرآن الكريم هو مسألة الأصل والعرق ، ففي كل مكان تبدأ خطابات القرآن ب‍ يا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا وأمثالها ، ولا يوجد في أي مورد " يا أيها العرب " و " يا قريش " وأمثال ذلك . إضافة إلى أن ذيل الآية الذي يقول : بالمؤمنين رؤوف رحيم ينفي هذا التفسير بوضوح ، لأن الكلام فيه عن كل المؤمنين ، من أي قومية أو عرق كانوا . ومما يثير الأسف أن بعض العلماء المتعصبين قد حجموا عالمية القرآن وعموميته لكل البشر ، وحاولوا حصره في حدود القومية والعرق المحدودة . وعلى كل حال ، فبعد ذكر هذه الصفة من أنفسكم أشارت الآية إلى أربع صفات أخرى من صفات النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) السامية ، والتي لها الأثر العميق في إثارة عواطف الناس وجلب انتباههم وتحريك أحاسيسهم . ففي البداية تقول : عزيز عليه ما عنتم أي أن الأمر لا ينتهي في أنه لا يفرح لأذاكم ومصاعبكم ، بل إنه لا يقف موقف المتفرج تجاه هذا الأذى ، فهو يتألم