تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
التقليد إنما هو تعلم العلوم الإسلامية وإيصالها للآخرين في مسائل فروع الدين ، ووجوب اتباع المتعلمين لمعلمين . وكما قلنا سابقا ، فإن البحث في هذه الآية لا ينحصر في فروع الدين ، بل تشمل حتى المسائل الأصولية ، وتتضمن الفروع أيضا على كل حال . الإشكال الوحيد الذي يثار هنا ، هو أن الاجتهاد والتقليد لم يكن موجودا في ذلك اليوم ، والاشخاص الذين كانوا يتعلمون المسائل ويوصلونها للآخرين حكمهم كحكم البريد والإرسال في يومنا هذا ، لا حكم المجتهدين ، أي إنهم كانوا يأخذون المسألة من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويبلغونها للآخرين كما هي من دون إبداء أي رأي أو وجهة نظر . ولكن مع الاخذ بنظر الاعتبار المفهوم الواسع للاجتهاد والتقليد يتضح الجواب عن هذا الإشكال . وتوضيح ذلك : إن مما لا شك فيه أن علم الفقه على سعته التي نراها اليوم لم يكن له وجود ذلك اليوم ، وكان من السهل على المسلمين أن يتعلموا المسائل من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لكن هذا لا يعني أن علماء الإسلام كان عملهم هو بيان المسائل فقط ، لأن الكثير من هؤلاء كانوا يذهبون إلى الأماكن المختلفة كقضاة وأمراء ، ومن البديهي أن يواجهوا من المسائل مالم يسمعوا حكمها بالذات من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، إلا أنها كانت موجودة في عمومات واطلاقات آيات القرآن المجيد . فكان هؤلاء قطعا يقومون بتطبيق الكليات على الجزئيات - وفي الاصطلاح العلمي : رد الفروع إلى الأصول ورد الأصول على الفروع - لمعرفة حكم هذه المسائل ، وكان هذا بحد ذاته نوعا من الاجتهاد البسيط . إن هذا العمل وأمثاله كان موجودا في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتما ، فعلى هذا فإن الجذور الأصلية للاجتهاد كانت موجودة بين أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولو أن الصحابة لم يكونوا جميعا بهذه الدرجة .