تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وأما ما قلناه من أن المبادرة إلى مجابهة العدو الأقرب هي الأهم والأوجب . فإن أسبابه واضحة ، وذلك : أولا : إن خطر العدو القريب أكبر وأشد من العدو البعيد . ثانيا : إن اطلاعنا وعلمنا بالعدو القريب أكثر ، وهذا من العوامل المساعدة والمقربة للنصر . ثالثا : إن التوجه لمحاربة العدو البعيد لا يخلو من خطورة إضافية ، فالعدو القريب قد يستغل الفرصة ويحمل على الجيش من الخلف ، أو يستغل خلو المقر الأصلي للإسلام فيهجم عليه . رابعا : إن الوسائل اللازمة ونفقات محاربة العدو القريب أقل وأبسط ، والتسلط على ساحة الحرب في ظل ذلك أسهل . لهذه الأسباب وأسباب أخرى ، فإن دفع العدو الأقرب هو الأوجب والأهم . والجدير بالذكر أن هذه الآية لما نزلت كان الإسلام قد استولى على كل جزيرة العرب تقريبا ، وعلى هذا فإن أقرب عدو في ذلك اليوم ربما كان أمبراطورية الروم الشرقية التي توجه المسلمون إلى تبوك لمحاربتها . وكذلك يجب أن لا ننسى أن هذه الآية بالرغم من أنها تتحدث عن العمل المسلح والبعد المكاني ، إلا أنه ليس من المستبعد أن روح الآية حاكمة في الأعمال المنطقية والفواصل المعنوية ، أي إن المسلمين عندما يعزمون على المجابهة المنطقية والإعلامية والتبليغية يجب أن يبدؤوا بمن يكون أقرب إلى المجتمع الإسلامي وأشد خطرا عليه ، فمثلا في عصرنا الحاضر نرى أن خطر الإلحاد والمادية يهدد كل المجتمعات ، فيجب تقديم التصدي لها على مواجهة المذاهب الباطلة الأخرى ، وهذا لا يعني نسيان هؤلاء ، بل يجب اعطاء الأهمية القصوى للهجوم نحو الفئة الأخطر ، وهكذا في مواجهة الاستعمار الفكري والسياسي والاقتصادي التي تحوز الدرجة الأولى من الأهمية .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 273 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي