2 - لقد تصور البعض وجود نوع من المنافاة بين هذه الآية والآيات السابقة ، إذ
الآيات السابقة أمرت الجميع بالتوجه إلى ساحات الجهاد ، ووبخت المتخلفين
بشدة ، أما هذه الآية فتقول . أنه لا ينبغي للجميع ان يتوجهوا إلى ميدان الحرب .
ولكن من الواضح أن هذين الأمرين قد صدرا في ظروف مختلفة ، فمثلا في
غزوة تبوك لم يكن هناك بد من توجه كل المسلمين إلى الجهاد لمواجهة الجيش
القوي الذي أعدته إمبراطورية الروم لمحاربة الإسلام والقضاء عليه . أما في حالة
مقابلة جيوش ومجاميع أصغر وأقل فليست هناك ضرورة لتوجه الجميع إلى
الحرب ، خاصة في الحالات التي يبقى فيها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بنفسه ، فإنه يجب عليهم أن
لا يخلوا المدينة مع احتمالات الخطر المتوقعة ، وأن لا يغفلوا عن التفرغ لتعلم
المعارف والأحكام الإسلامية .
وعلى هذا فلا يوجد أي نوع من التنافي بين هذه الآيات ، وما تصوره البعض
من التنافي هو اشتباه محض .
3 - لا شك أن المقصود من التفقه في الدين هو تحصيل جميع المعارف
والأحكام الإسلامية ، وهي أعم من الأصول والفروع ، لأن كل هذه الأمور قد
جمعت في مفهوم التفقه ، وعلى هذا ، فإن هذه الآية دليل واضح على وجوب توجه
فئة من المسلمين وجوبا كفائيا على الدوام لتحصيل العلوم في مختلف المجالات
الإسلامية ، وبعد الفراغ من التحصيل العلمي يرجعون إلى مختلف البلدان ،
وخصوصا بلدانهم وأقوامهم ، ويعلمونهم مختلف المسائل الإسلامية .
وبناء على ذلك ، فإن الآية دليل واضح على وجوب تعلم وتعليم المسائل
الإسلامية ، وبتعبير آخر فإنها أوجبت التعلم والتعليم معا ، وإذا كانت الدنيا في
يومنا الحاضر تفتخر بسنها التعليم الإجباري ، فإن القرآن قد فرض قبل أربعة عشر
قرنا هذا الواجب على المعلمين علاوة على المتعلمين .
4 - استدل جماعة من علماء الإسلام بهذه الآية على مسألة جواز التقليد ، لأن
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 269
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٦٩