تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
مرت عشرة أيام على هذه الواقعة ، وكان الهواء حارا محرقا ، فحضر يوما عند زوجتيه ، وكن قد هيأن خيمته ، وأحضرن الطعام اللذيذ والماء البارد ، فتذكر فجأة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وغاص في تفكير عميق ، وقال في نفسه : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وضمن له آخرته ، قد حمل سلاحه على عاتقه وسار في الصحاري المحرقة ، وتحمل مشقة هذا السفر ، أما أبو خيثمة - يعني نفسه - فهو في ظل بارد ، يتمتع بأنواع الأطعمة ، والنساء الجميلات ! ! إن هذا ليس من الإنصاف . فالتفت إلى زوجاته وقال : أقسم بالله أن لا أكلم إحداكن كلمة ، ولا أستظل بهذه الخيمة حتى ألتحق بالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . قال ذلك وحمل زاده وجرابه وركب بعيره وسار ، وجهدت زوجتاه أن يكلمنه فلم يعبأ بهما ولم ينبس بنبت شفة ، وواصل سيره حتى اقترب من تبوك . فقال المسلمون بعضهم لبعض : من هذا الراكب على الطريق ؟ ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " كن أبا خيثمة " فلما اقترب وعرفه الناس ، قالوا : نعم ، هو أبو خيثمة ، فأناخ راحلته وسلم على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحدثه بما جرى له ، فرحب به النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ودعا له . وبذلك فإنه كان من جملة الذين مال قلبهم إلى الباطل ، إلا أن الله سبحانه وتعالى لما رأى استعداده الروحي أرجعه إلى الحق وثبت قدمه . * * * وقد نقل سبب آخر لنزول الآية الثانية ، خلاصته : إن ثلاثة من المسلمين وهم : " كعب بن مالك " و " مرارة بن ربيع " و " وهلال بن أمية " ، امتنعوا من المسير مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والاشتراك في غزوة تبوك ، إلا أن ذلك ليس لكونهم جزءا من المنافقين ، بل لكسلهم وتثاقلهم ، فلم يمض زمان حتى ندموا . فلما رجع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من غزوة تبوك حضروا عنده وطلبوا منه العفو عن
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 246 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي