تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
فقط هم من الناجين ، أما الصحابة فلم يشترط عليهم هذا الشرط ) ( 1 ) . إلا أن هذا الادعاء لا يمكن قبوله ، وهو مردود بأدلة كثيرة : أولا : إن الحكم المذكور في الآية يشمل التابعين أيضا ، والمقصود من التابعين - كما أشرنا سابقا - كل الذين يتبعون المهاجرين والأنصار السابقين في معتقداتهم وأهدافهم وبرامجهم ، وعلى هذا فإن كل الأمة بدون استثناء ناجية . وأما ما ورد في حديث محمد بن كعب ، من أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر قيد الإحسان في التابعين ، أي أتباع الصحابة في أعمالهم الحسنة ، لا في ذنوبهم ، فهو أعجب البحوث وأغربها ، لأن مفهوم ذلك إضافة الفرع إلى الأصل ، فعندما يكون شرط نجاة التابعين أن يتبعوا الصحابة في أعمالهم الحسنة ، فاشتراط هذا الشرط على الصحابة أنفسهم يكون بطريق أولى . وبتعبير آخر فإن الله تعالى يبين في الآية أن رضاه يشمل كل المهاجرين والأنصار السابقين الذين كانت لهم برامج وأهداف صالحة ، وكل التابعين لهم ، لا أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ، الصالح منهم والطالح ، أما التابعون فإنه يرضى عنهم بشرط . ثانيا : إن هذا الموضوع لا يناسب الدليل العقلي بأي وجه من الوجوه ، لأن العقل لا يعطي أي امتياز لأصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فما الفرق بين أبي جهل وأمثاله ، وبين من آمنوا أولا ثم انحرفوا عن الدين ؟ ولماذا لا تشمل رحمة الباري والرضوان الإلهي الاشخاص الذين جاؤوا بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بسنوات وقرون ، ولم تكن تضحياتهم وجهادهم أقل مما عمله أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بل قد امتازوا بأنهم لم يروا نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لكنهم عرفوه وآمنوا به ؟ إن القرآن الذي يقول : إن أكرمكم عند الله أتقاكم كيف يرضى هذا التبعيض والتفرقة غير المنطقية ؟
هامش
( 1 ) تفسير المنار ، وتفسير الفخر الرازي في ذيل الآية أعلاه .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 191 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي