تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
الجملة الأخرى تبين واقع المنافقين القبيح ونكرانهم للجميل فتقول الآية : إن هؤلاء لم يروا من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أي خلاف أو أذى ، ولم يتضرروا بأي شئ نتيجة للتشريع الإسلامي ، بل على العكس ، فإنهم قد تمتعوا في ظل حكم الإسلام بمختلف النعم المادية والمعنوية وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ( 1 ) وهذه قمة اللؤم . ولا شك أن إغناءهم وتأمين حاجاتهم في ظل رحمة الله وفضله وكذلك بجهود النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يستحق أن ينقم من جرائه هؤلاء المنافقون ، بل إن حقه الشكر والثناء ، إلا أن هؤلاء اللؤماء المنكرين للجميل والمنحرفي السيرة والسلوك قابلوا الاحسان بالإساءة . ومثل هذا التعبير الجميل يستعمل كثيرا في المحادثات والمقالات ، فمثلا نقول للذي أنعمنا عليه سنين طويلة وقابل إحساننا بالخيانة : إن ذنبنا وتقصيرنا الوحيد أننا آويناك ودافعنا عنك وقدمنا لك منتهى المحبة على طبق الإخلاص . غير أن القرآن - كعادته - رغم هذه الأعمال لم يغلق الأبواب بوجه هؤلاء ، بل فتح باب التوبة والرجوع إلى الحق على مصراعيه إن أرادوا ذلك ، فقال : فإن يتوبوا يك خيرا لهم . وهذه علامة واقعية الإسلام واهتمامه بمسألة التربية ، ومعارضته لاستخدام الشدة في غير محلها وهكذا فتح باب التوبة حتى بوجه المنافقين الذين طالما كادوا للإسلام وتآمروا على نبيه وحاكوا الدسائس والتهم ضده ، بل إنه دعاهم إلى التوبة أيضا . هذه في الحقيقة هي الصورة الواقعية للإسلام ، فما أظلم هؤلاء الذين يرمون
هامش
( 1 ) مما يستحق الانتباه أن الجملة أعلاه بالرغم من أنها تتحدث عن فضل الله ورسوله ، إلا أن الضمير في من فضله جاء مفردا لا مثنى ، والسبب في ذلك هو ما ذكرناه قبل عدة آيات من أن أمثال هذه التعبيرات لأجل إثبات حقيقة التوحيد ، وأن كل الأعمال بيد الله سبحانه ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا ما عمل عملا فهو بأمر الله سبحانه ، ولا ينعزل عن إرادته سبحانه .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 130 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي