واقعا واليهود يطيعون أحبارهم دون قيد أو شرط ، لذا فإن الآية أشارت إلى عبادة
كل منهما ، فقالت : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله .
ثم فصلت المسيح على حدة فقالت : والمسيح ابن مريم .
وهذا التعبير يدل على منتهى الدقة في القرآن .
وفي ختام الآية تأكيد على هذه المسألة ، وهي أن جميع هذه العبادات للبشر
بدعة ، وهي من العبادات الموضوعة وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا
هو سبحانه عما يشركون .
3 درس تعليمي :
إن القرآن المجيد يعلم أتباعه في الآية - محل البحث - درسا قيما جدا ، ويبين
واحدا من أبرز مفاهيم التوحيد فيها ، إذ يقول : لا يحق لأي مسلم طاعة إنسان
آخر دون قيد أو شرط ، لأن هذا الأمر مساو لعبادته ، وجميع الطاعات يحب أن
تكون في إطار طاعة الله ، وانما يصح اتباع الإنسان نظيره متى كانت قوانينه غير
مخالفة لقوانين الله ، أيا كان ذلك الإنسان وفي أية مكانة أو منزلة . لأن الطاعة بلا
قيد أو شرط مساوية للعبادة ، أو هي شكل من أشكال الشرك والعبودية ، إلا أنه
يا للأسف - بلي المسلمون - لبعد المسافة الزمنية - بالابتعاد عن تعاليم هذا
الدستور الإسلامي المهم ، وإقامة الأصنام البشرية ، فتفرقوا وتغلب عليهم
المستعمرون والمستثمرون ، وإذا لم تتكسر هذه الأصنام البشرية فلا ينبغي أن
ننتظر زوال هذه البلايا وسد الثغرات .
وأساسا فإن هذا النوع من الشرك أو العبادة الوثنية أخطر بكثير من عبادة
الأصنام والأحجار في زمان الجاهلية ، والسجود لها ، لأن تلك الأصنام والأحجار
ليس فيها روح حتى تستعمر عبدتها ، إلا أن الأصنام البشرية وبسبب غرورهم
وعدوانهم يجرون أتباعهم إلى الوبال والذلة والشقاء والانحطاط .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 11
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١١