الثاني انه تعالى أوجد احكاما واقعية فصادفها آراء المجتهدين من باب الاتفاق الثالث انه تعالى لما علم بعلمه القديم الأولى بالمجتهدين وعدد آرائهم فجعل احكاما واقعية على حسب تعدد آراء المجتهدين من غير أن يعيّن كلا لكل فتأدّى اجتهاد كل إلى أحدها وفيه انه ممّا لا يساعد عليه ظاهر كلماتهم وعلى ما استظهرناه من رجوعه إلى أصل الحكم ربما يشكل الحال من جهة تحقق الاجتهاد المأخوذ فيه طلب الظنّ بالحكم الشرعي من حيث عدم تعقّله فان طلب الشيء يقتضى سبق وجود المطلوب على الطلب والا استحال طلبه وأيضا فان الظن يتعلق بالحكم فهو متعلق بالكسر والحكم متعلق بالفتح وظاهر ان الاوّل متاخّر في الوجود عن الثاني فلو لا وجود الحكم استحال تعلق الظن به فاستحال تحقّقه وبعبارة أخرى ان المجتهد طالب فله مطلوب فان تحقق طالب لا مط له كتحقق عالم لا معلوم له محال مضافا إلى انّ متعلق ظنّه كونه حكم اللّه فكيف يمكن ذلك مع الجزم بان لا حكم للّه في الواقعة ويمكن الذبّ عن الاوّل بان الطلب لا يقتضى سبق وجود المطلوب فعلا بل يقتضى امكان وجوده فان الإتيان بمقدّمات وجود الشيء طلب له وهو غير موجود قبل الإتيان بها وانما يوجد بالإتيان بها فالمجتهد أيضا يطلب باجتهاده ما يغلب على ظنه كونه حكم الله فهو قبل اجتهاده غير موجود وانما يوجد بالاجتهاد والكاشف عن وجوده استقرار الظن به المعبّر عنه بغلبة الظن وانما جعلنا الظن كاشفا لاستحالة كون الظن بالحكم علّة موجدة له للزوم تقدم الشيء على نفسه ولان موجد الحكم الشرعي جاعله وهو الشارع لا الظن ويشكل اعتبار الكاشفية أيضا بان الظن به ح لا يجامع القطع به فان اللازم من مذهب المصوّبة ان ما ظنه المجتهد كونه حكم اللّه بقطع بعد الظن كونه حكم اللّه وهو محال لان الظن والقطع متناقضان فلا يمكن اجتماعهما في محلّ واحد وتوهّم دفعه باختلاف القضيّتين باعتبار محموليهما بالمفهوم والمصداق على معنى ان الظن بمفهوم الوجوب مثلا كاشف قطعىّ عن وجود مصداقه وهو الطلب الحتمي الفعلي الصادر من الشارع المتوجّه إلى المجتهد باجتهاده فالمظنون هو المفهوم والمقطوع هو المصداق وبهذا الاعتبار يمكن فرض الظن بالحكم علّة موجدة له أيضا من غير أن يلزم تقدم الشيء على نفسه لولا ما تقدم من انّ موجد الحكم جاعله وهو الشارع يندفع بضرورة ان المطلوب بالاجتهاد هو المصداق لا المفهوم فهو المتعلق للظن الاجتهادى لا غير والذي يظهر لي في دفع الاشكالين معا هو ان يقال إن المراد من عدم حكم للّه تعالى في الواقعة خلوّ خلوص الواقعة المضافة إلى كلّ مجتهد قبل اجتهاده عن الحكم في حقّه لا خلوّ جنس الواقعة المضاف إلى غيره ممّن غير حتى الرسول ص وأصحابه وأهل زمانه وغيرهم من العالمين باحكامهم فان الخلوّ بهذا المعنى غير معقول فالمجتهد باجتهاده يطلب ذلك الحكم الذي اتى به النبي ص وعلمه أصحابه وغيرهم فما غلب على ظنّه كونه ذلك الحكم يجعله الشارع حكما في حقّه وحقّ مقلّديه أيضا وبذلك يندفع توهّم تناقض الظنّ والقطع أيضا لان المظنون كونه حكم من سلف وغير والمقطوع صيرورته حكما له ولمقلديه وكذلك يندفع به الدور المتوهّم في هذا المقام بتقريب ان الظن الاجتهادى لكونه علة محدثة للحكم يتوقّف عليه الحكم لكونه متعلّقا للظن يتوقف عليه الظن وهو معنى ما قيل في دفعه من أن المظنون هو حكم العالمين به والمجعول بعد الظن هو حكم الجاهل فان ظنه يتعلق أولا بحكم العالمين ثم يحدث بسببه مثل ذلك الحكم للجاهل نعم ربّما يشكل الحال على القول بكون النبي مجتهدا ان المجتهد لا يطلب باجتهاده الحكم الاجتهادى لمجتهد آخر ولعلّه لأجل ذلك حدث بين المصوّبة القول بالأشبه حسب ما نقله في النهاية والمنية وغيرهما ونسبوه إلى كثير منهم وفسّرنا به وان لم يوجد في الواقعة حكم قبل الاجتهاد إلّا انه يوجد فيها ما لو حكم اللّه تعالى بحكم لما حكم الّا به واعترض عليه في الفصول بعد حكايته بانّ هذا قريب من القول بالتخطئة بل ربّما كان راجعا اليه وليس كما اعترض بل الظاهر أن المراد به على التفسير ما هو أشبه بمقتضى الأصول الكلية والقواعد المقررة المتلقاة من الشّارع فالمظنون كونه أشبه بالأصول والقواعد والمقطوع كونه قد جعله الشارع حكما له ولمقلديه واليه يشير ما ذكره العضدي في دفع سؤال ان متعلق
ظنه كونه حكم اللّه تعالى فكيف يمكن ذلك مع الجزم بان لا حكم للّه في الواقعة بقوله متعلق ظنه انّه أليق
الحاشية على قوانين الأصول — صفحة 171
مساهمون: السيد علي الموسوي القزويني
ص١٧١