تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
المستقبل واضح جدا ، وكأنه قد حدث في الماضي وتحقق . على أن التعبير ب‍ " نادى " الذي يكون عادة للمسافة البعيدة ، يصور بعد المسافة المقامية أو المكانية بين هذين الفريقين . وهنا يمكن أن يطرح سؤال وهو : وما فائدة حوار هذين الفريقين مع أنهما يعلمان بالجواب ؟ وجواب هذا السؤال معلوم ، لأن السؤال ليس دائما للحصول على المزيد من المعلومات ، بل قد يتخذ أحيانا صفة العتاب والتوبيخ والملامة ، وهو هنا من هذا القبيل . وهذه هي واحدة من عقوبات العصاة والظالمين الذين عندما كانوا يتمتعون بلذائذ الدنيا ، حيث كانوا يؤذون المؤمنين بالعتابات المرة ، والملامات المزعجة ، فلابد - في الآخرة - أن ينالوا عقابا من جنس عملهم كنتيجة طبيعة لفعلهم ، ولهذا الموضوع نظائر في سور القرآن المختلفة ، منها ما في آخر سورة المطففين . ثم يضيف تعالى بأنه في هذا الوقت بالذات ينادي مناد بنداء يسمعه الجميع : أن لعنة الله على الظالمين فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين . ثم يعرف الظالمين ويصفهم بقوله : الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون ( 1 ) . ومن الآية الحاضرة يستفاد مرة أخرى أن جميع الانحرافات والمفاسد قد اجتمعت في مفهوم " الظلم " وللظالم مفهوم واسع يشمل جميع مرتكبي الذنوب ، والآثام ، وخصوصا الضالون المضلون .
هامش
1 - يبغونها عوجا بمعنى يطلبونها عوجا ، أي أنهم يرغبون ويجتهدون في أن يضلوا الناس بإلقاء الشبهات والدعايات المسمومة عن الطريق المستقيم . كما أن الراغب قال في " المفردات " : عوج ( بفتح العين ) يعني الإعوجاج الحسي ، وعوج بكسر العين يطلق على الإعوجاجات التي تدرك بالفكر والعقل ، ولكن هذا التفصيل لا ينسجم مع ظاهر طائفة من الآيات القرآنية مثل الآية ( 107 ) من سورة طه ( فتأمل بدقة ) .