تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
وهذا الأمر لا يخلو من إحدى حالتين ، فإما أن تكون هذه النعم مدعاة للتنبيه والإيقاظ فتكون الهداية الإلهية في هذه الحال عملية . أو أن هذه النعم تزيدهم غرورا وجهلا ، فعندئذ يكون عقاب الله لهم في آخر مرحلة أوجع ، لأنهم حين يغرقون في نعم الله وملذاتهم ويبطرون ، فإن الله سبحانه يسلب عندئذ هذه النعم منهم ، ويطوي سجل حياتهم ، فيكون هذا العقاب صارما وشديدا جدا . . . وهذا المعنى بجميع خصوصياته لا يحمله لفظ الاستدراج وحده ، بل يستفاد هذا المعنى يفيد من حيث لا يعلمون أيضا . وعلى كل حال ، فهذه الآية تنذر جميع المجرمين والمذنبين بأن تأخير الجزاء من قبل الله لا يعني صحة أعمالهم أو طهارتهم ، ولا عجزا وضعفا من الله ، وأن لا يحسبوا أن النعم التي غرقوا فيها هي دليل على قربهم من الله ، فما أقرب من أن تكون هذه النعم والانتصارات مقدمة لعقاب الاستدراج . فالله سبحانه يغشيهم بالنعم ويمهلهم ويرفعهم عاليا ، إلا أنه يكبسهم على الأرض فجأة حتى لا يبقى منهم أثر ، ويطوي بذلك وجودهم وتأريخ حياتهم كله . يقول الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة أنه " من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا " ( 1 ) . كما جاء عنه ( عليه السلام ) في روضة الكافي أنه قال : " ثم إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شئ أخفى من الحق ، ولا أظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - إلى أن قال - يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئن جالسا حتى يخرج من الدين ، ينتقل من دين ملك إلى دين ملك ، ومن ولاية إلى ولاية ملك ، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك ، ومن عهود ملك إلى
هامش
1 - تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 106 .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 313 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي