تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
استدراجا . والمعنى الثاني للإستدراج هو ، اللف والطي ، كطي السجل أو " الطومار " ولفه . وهذان المعنيان أوردهما الراغب في مفرداته ، إلا أن التأمل بدقة في المعنيين يكشف أنهما يرجعان إلى مفهوم كلي جامع واحد : وهو العمل التدريجي . وبعد أن عرفنا معنى الاستدراج نعود إلى تفسير الآية محل البحث . يقول سبحانه في الآية الأولى : والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . أي سنعذبهم بالاستدراج شيئا فشيئا ، ونطوي حياتهم . والآية الثانية تؤكد الموضوع ذاته ، وتشير بأن الله لا يتعجل بالعذاب عليهم ، بل يمهلهم لعلهم يحذرون ويتعظون ، فإذا لم ينتبهوا من نومتهم ابتلوا بعذاب الله ، فتقول الآية واملي لهم . لأن الاستعجال يتذرع به من يخاف الفوت ، والله قوي ولا يفلت من قبضته أحد إن كيدي متين . و " المتين " معناه القوي المحكم الشديد ، وأصله مأخوذ من المتن ، وهو العضلة المحكمة التي تقع في جانب الكتف ( في الظهر ) . و " الكيد " والمكر متساويان في المعنى ، وكما ذكرنا في ذيل الآية ( 54 ) من سورة آل عمران ، أن المكر يعني في أصل اللغة الاحتيال ومنع الآخر من الوصول إلى قصده . ويستفاد من الآية - آنفة الذكر وآيات أخرى وبعض الأحاديث الشريفة الواردة - في شأن الاستدراج ، أو العذاب الاستدراجي ، أن الله لا يتعجل بالعذاب على الطغاة والعاصين المتجرئين وفقا لسنته في عباده ، بل يفتح عليهم أبواب النعم . فكلما ازدادوا طغيانا زادهم نعما .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 312 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي