تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
العقوبات الثقيلة من دون نصره وتأييده وعونه ، لهذا قالوا : ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين . والملفت للنظر أنهم بعبارة أفرغ علينا صبرا أظهروا أن الخطر المحدق بهم بلغ الدرجة القصوى ، فأعطنا يا رب أنت - أيضا - آخر درجات الصبر والاستقامة ، لأن " أفرغ " من مادة " الإفراغ " بمعنى صب السائل من وعاء حتى يفرغ . 3 الاستقامة الواعية : يمكن أن يتملك الإنسان عجب شديد عند أول إطلاعة على قصة السحرة في زمان موسى ( عليه السلام ) الذين صاروا من المؤمنين الصادقين ، هل يمكن أن يحدث مثل هذا الانقلاب والتحول العميق في الروح الإنسانية في مثل هذه المدة القصيرة ، بحيث يقطع الشخص كل علاقاته مع الصف المخالف ، ويصير في صف الموافق ، ثم يدافع عن عقيدته الجديدة بإصرار وعناد عجيبين إلى درجة أنه يتجاهل مكانته ومصالحه وحياته جميعا ، ويستقبل الشهادة بشجاعة منقطعة النظير ، وبوجه مستبشر ؟ ولكن هذا الاستغراب يتبدد إذا التفتنا إلى هذه النقطة ، وهي أن هؤلاء - نظرا إلى سوابقهم الكثيرة في علم السحر - وقفوا جيدا على عظمة معجزة النبي موسى ( عليه السلام ) وحقانيته ، وسلكوا هذا السبيل عن وعي كامل . . . وهذا الوعي صار منشأ لعشق ملتهب سربل كل وجودهم وكيانهم ، وهو عشق لا يعرف حدا وسدا ، وفوق جميع النوازع والرغبات البشرية . إنهم كانوا يعلمون جيدا أي طريق يسلكونه ؟ ولماذا يجاهدون ؟ ومن يكافحون ؟ وأي مستقبل مشرق ينتظر هذا الجهاد العظيم ؟ أجل ، إذا كان الإيمان مقرونا بالوعي الكامل فإنه ينتهي إلى مثل هذا العشق