تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وذلك لأن الناس ما داموا في الرخاء والرفاه فهم في غفلة وقلما يكون لديهم استعداد وقابلية لقبول الحق . أما عندما يتورطون في المحنة والبلاء ، يشرق نور فطرتهم وتوحيدهم ويتذكرون الله قهرا بلا اختيار ، وتستعد قلوبهم لقبول الحق . ولكن هذه اليقظة والنهضة ليست عند الجميع على حد سواء ، فهي في كثير من الناس سريعة وعابرة وغير ثابتة ، وبمجرد أن تزول المشكلات يعودون إلى غفلتهم وغفوتهم ، ولكن هذه المشكلات تعتبر بالنسبة إلى جماعة آخرين نقطة تحول في الحياة ، ويعودون إلى الحق إلى الأبد . والأقوام الذين جرى الحديث - في الآيات السابقة - حولهم كانوا من النمط الأول . ولهذا قال تعالى في الآية اللاحقة : عندما لم تغير تلك الجماعات سلوكها ومسيرها تحت ضغط المشكلات والحوادث ، بل بقوا في الضلال ، رفعنا عنهم المشكلات وجعلنا مكانها النعم والرخاء فازدهرت حياتهم وكثر عددهم وزادت أموالهم ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا . و " عفوا " من مادة " عفو " التي تكون أحيانا بمعنى الكثرة ، وأحيانا بمعنى الترك والإعراض ، وتارة تكون بمعنى محو آثار الشئ . ولكن لا يبعد أن يكون أصل جميع تلك الأمور هو الترك ، غاية ما هنالك قد يترك شئ لحاله حتى يتجذر ، ويتوالد ويتناسل ويزداد ، وربما يترك حتى يهلك وينهدم تدريجا وشيئا فشيئا . ولهذا جاء بمعنى الزيادة والهلاك معا . وقد احتمل المفسرون في الآية المبحوثة ثلاثة احتمالات أيضا : الأول : أننا أعطيناهم إمكانيات حتى يزدادوا فيستعيدوا كل ما فقدوه - في فترة الشدة والضراء - من الأفراد والأموال . الآخر : أننا أعطيناهم نعما كثيرة جدا بحيث غرتهم ، فنسوا الله ، وتركوا شكره . الثالث : أننا أعطيناهم نعما كي يستطيعوا بها أن يزيلوا أثار فترة النكبة
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 122 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي