أجبتنى من بينهم و لم يكلّمنى غيرك من بينهم ؟ قال : يا روح اللّه ، انّهم ملجمون بلجام من النّار بأيدى ملائكة غلاظ شداد و انّى كنت فيهم و لم أكن منهم فلمّا نزل العذاب عمّنى معهم فانا معلّق بشعرة على شفير جهنّم لا أدرى انجوام اكبكبك « 1 » فيها فالتفت عيسى الى الحواريين ، فقال : يا اولياء اللّه ! أكل الخبز اليابس بالملح الجريش و النوم على المزابل خير كثير مع عافية الدّنيا و الآخرة .
قال المجلسى طاب ثراه : قال شيخنا البهائى قدّس سرّه : لعلّك تظنّ انّ ما تضمّنه هذا الحديث من ان الطاعة لأهل المعاصى عبادة لهم جار على ضرب من التجوز لا حقيقة و ليس كذلك بل هو حقيقة فانّ العبادة ليست الا الخضوع و التّذلّل و الطّاعة و الانقياد فلهذا جعل سبحانه اتباع الهوى و الانقياد اليه عبادة للهوى فقال :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
« 2 » و جعل طاعة الشيطان عبادة له . قال :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
« 3 » . ثمّ نقل اخبارا كثيرة فى ذلك فقال بعد ذلك : إذا كان اتّباع الخير و الانقياد إليه عبادة له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخبيثة الدّنيّة و شهواتهم البهيميّة و السبعيّة على كثرة أنواعها و اختلاف أجناسها و هى أصنامهم الّلاتى هم عليها عاكفون و الأنداد الّتى هم لها من دون اللّه عابدون . قال قدّس سرّه : ما ذكره هذا الرجل المتكلّم لعيسى فى وصف أصحاب القرية و ما كانوا عليه من الخوف القليل و الأمل البعيد و الغفلة و اللّهو و اللّعب و الفرح باقبال الدنيا و الخوف بادبارها هو بعينه حالنا و حال اكثر اهل زماننا بل أكثرهم خال من هذا الخوف القليل نعوذ باللّه من الغفلة و سوء المنقلب . ثمّ قال شيخنا البهائى رحمه اللّه :
لا يخفى انّ ما قاله هذا الرجل من أنّه كان فيهم و لم يكن منهم فلمّا نزل العذاب عمّه معهم يشعر بأنّه ينبغى المهاجرة من أهل المعاصى و الاعتزال لهم و انّ المقيم معهم شريك لهم فى العذاب و محترق بنارهم و ان لم يشاركهم فى أفعالهم و أقوالهم و قد يستأنس لذلك بعموم قوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
« 4 » و لم يكن فى الاعتزال فائدة سوى ذلك لكفى و فيه من الفوائد ما لا تعدّ و لا تحصى نسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنّه و كرمه . »
[ معنى : در « بحار » از حضرت صادق عليه السّلام [ نقل كرده كه ] فرمود : عيسى بن مريم عبور نمود به
هامش
( 1 ) - كببت فلانا كبا القيته على وجهه ( مجمع ) .
( 2 ) - سورهء فرقان ( 25 ) ، آيهء 43 .
( 3 ) - سورهء يس ( 36 ) ، آيهء 60 .
( 4 ) - سورهء نساء ( 4 ) ، آيه 97 .