تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
أية أمة أخرى لقبول الأمر الإلهي : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم . والآية المتقدمة كانت تعكس - في الحقيقة - هذا التحجج وهو : أن عدم اهتدائنا إنما هو بسبب غفلتنا وجهلنا بالكتب السماوية ، وهذه الغفلة وهذا الجهل ناشئ عن أن هذه الكتب نزلت على الآخرين ، ولم تنزل علينا . أما هذه الآية فتعكس صفة الإحساس بالتفوق والادعاء الفارغ الذي كانوا يدعونه عن تفوق العنصر العربي على غيرهم . وقد نقل نظير هذا المعنى في سورة فاطر في الآية ( 42 ) عن مقالة المشركين في شكل مسألة قاطعة وليس من باب القضية الشرطية وذلك عندما يقول : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا . وعلى أية حال فإن القرآن يقول في معرض الرد على هذه الادعاءات أن الله سبحانه سد عليكم كل سبل التملص والفرار ، وأبطل جميع الذرائع والمعاذير ، لأن الله آتاكم كل الآيات ، وأقام كل الحجج المقرونة بالهداية الإلهية وبالرحمة الربانية لكم : فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة . والملفت للنظر أنه استعمل لفظ " البينة " بدل الكتاب السماوي ، وهو إشارة إلى أن هذا الكتاب السماوي واضح المعالم ، بين الحقائق من جميع الجهات ، ومقرون بالدلائل القاطعة ، والبراهين الساطعة اللامعة . ومع ذلك فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها . و " صدف " من " الصدف " ويعني الإعراض الشديد - من دون تفكير - عن شئ ، وهو إشارة إلى أنهم لم يكونوا ليعرضوا عن آيات الله فحسب ، بل كانوا يبتعدون عنها - أيضا - من دون أن يفكروا فيها أدنى تفكير . ربما استعملت هذه اللفظة بمعنى آخر وهو منع الآخرين أيضا .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 523 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي