ظل الصدف والمعاجز دون أن يبادروا بأنفسهم إلى بذل جهد في هذا المجال ،
ورد هؤلاء على طلب موسى ( عليه السلام ) بقولهم كما تنقله الآية : قالوا يا موسى إن فيها
قوما جبارين ( 1 ) وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا
داخلون .
ويدل جواب بني إسرائيل هذا على الأثر المشؤوم الذي خلفه الحكم
الفرعوني على نفوس هؤلاء فإن في كلمة " لن " التي تفيد التأييد دلالة على
الخوف والرعب العميقين اللذين استوليا على هذه الطائفة مما أرغمهم على
الامتناع عن الدخول في أي صراع من أجل تحرير الأرض المقدسة وتطهيرها .
وكان على بني إسرائيل أن يحرروا تلك الأرض بكفاحهم وتضحياتهم ، أما
لو أن الأعداء تركوا الأرض المقدسة أو أبيدوا فيها بمعجزة على خلاف السنة
الإلهية الطبيعية ، فإن بني إسرائيل بدخولهم إليها - في مثل هذه الحالة دون أي
عناء أو مشقة - كانوا سيواجهون العجز في إدارة تلك الأرض الواسعة الغنية ، ولم
يكونوا ليبدوا أي اهتمام بالحفاظ على شئ حصلوا عليه دون جهد أو معاناة ،
فلا يظهر لديهم والحالة هذه أي استعداد أو كفاءة لعمل ذلك .
أما المراد من عبارة قوما جبارين فهم كما تدل عليه التواريخ قوم
" العمالقة " ( 2 ) الذين كانوا يمتلكون أجساما ضخمة ، وكانت لهم أطوال خارقة ،
بحيث ذهب الكثير إلى المبالغة في طول أجسام هؤلاء وصنعوا الأساطير
هامش
1 - يجب الانتباه إلى أن كلمة " جبار " مأخوذة أو مشتقة من الأصل ( جبر ) أي إصلاح الشئ بالقسر والإرغام ،
ولذلك سمي إصلاح العظم المكسور ( تجبيرا ) فهذه الكلمة تطلق من جهة على كل نوع من التجبير والإصلاح ، ومن
جهة أخرى تطلق على كل أنواع التسلط القسري ، وحين تطلق كلمة ( جبار ) على الله سبحانه وتعالى فذلك إما
لتسلطه على كل شئ ، أو لأنه هو المصلح لكل موجود محتاج إلى الإصلاح .
2 - العمالقة قوم من العنصر السامي يعيشون في شمال شبه جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء ، وقد هاجموا
معصر واستولوا عليها لفترات طويلة ودامت حكومتهم حوالي 500 عام منذ عام 2213 قبل الميلاد حتى عام
1703 قبل الميلاد .
عن دائرة المعارف لفريد وجدي ، ج 60 ، ص 232 ( الطبعة الثالثة ) .