تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
يستفاد بوضوح من هذه الآية أن الإنفاق في سبيل الله لا يكون مقبولا عند الله تعالى إذا تبعته المنة وما يوجب الأذى والألم للمعوزين والمحتاجين ، وعليه فإن من ينفق ماله في سبيل الله ولكنه يمن به على من ينفق عليه ، أو ينفقه بشكل يوجب الأذى للآخرين فإنه في الحقيقة يحبط ثوابه وأجره بعمله هذا . إن ما يثير الاهتمام أكثر في هذه الآية هو أن القرآن لا يعتبر رأسمال الإنسان في الحياة مقتصرا على رأس المال المادي ، بل يحسب حساب رؤوس الأموال المعنوية والاجتماعية أيضا . إن من يعطي شيئا لأحد ويمن عليه به أو يقوم بما يثير الألم في نفس المعطي له ويجرح عواطفه فإنه لا يكون قد أعطاه شيئا في الواقع ، لأنه إذا كان قد أعطاه رأسمال ، فإنه قد أخذ منه رأسمال أيضا ، بل لعل المنة التي يمن بها عليه ونظرة التحقير التي ينظر بها إليه ذات أضرار باهضة يفوق ثمنها ما أنفقه من مال . إذا لم ينل أمثال هؤلاء الأشخاص أي ثواب على إنفاقهم هذا فهو أمر طبيعي وعادل . وقد يصح القول إن هؤلاء في كثير من الأحوال هم المدينون لا الدائنون لأن كرامة الإنسان أغلى بكثير من أي مال وثروة . ولاحظ في الآية إن كلمتي المن والأذى مسبوقتان ب‍ ( ثم ) التي تفيد التراخي ، أي وجود فترة زمنية بين فعلين . فيكون معنى الآية : إن الذين ينفقون ، وبعد ذلك لا يمنون على أحد ولا يؤذون أحدا يكون ثوابهم محفوظا عند الله . ويعني هذا ضرورة الابتعاد عن المن والأذى لا في حالة الإنفاق فحسب ، بل عليه أن لا يمن عليه في أوقات تالية عن طريق تذكير المنفق عليه بالإنفاق ، وهذا دليل على الدقة المتناهية التي يبتغيها الإسلام من الخدمات الإسلامية الخالصة . لابد من القول إن المن والأذى اللذين يحبطان قبول الإنفاق لا يختصان بالإنفاق على الفقراء فقط ، بل تجنبهما لازم في جميع الأعمال العامة والاجتماعية