وقال البعض : إن هذه الآية يحتمل أنها تشير إلى زمان لا يعرفه أحد سوى الله
سبحانه وتعالى .
ولكن التفسير الأول أنسب من بقية التفاسير ، وقد وردت رواية في تفسير
البرهان نقلا عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وتقول بأن إبليس يموت في الفترة ما بين
النفخة الأولى والثانية ( 1 ) .
هنا كشف إبليس عما كان يضمره في داخله ، وعن الهدف الحقيقي لطلبه البقاء
خالدا إلى زمن معين إذ : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين .
القسم بالعزة يراد منه الاستناد على القدرة والاستطاعة ، والتأكيدات المتتالية
في الآية ( القسم من جهة ، ونون التوكيد الثقيلة من جهة أخرى ، وكلمة أجمعين من
جهة ثالثة ) تبين أنه مصمم بصورة جدية على المضي في عمله ، وأنه سيبقى إلى
آخر لحظة من عمره ثابتا على عهده بإغواء بني آدم .
وبعد قسمه انتبه إبليس إلى هذه الحقيقة ، وهي أن هناك مجموعة من عباد الله
المخلصين لا يمكن كسبهم بأي طريقة إلى داخل منطقة نفوذه ، لذلك أجبر على
الاعتراف بعجزه في كسب أولئك فقال : إلا عبادك منهم المخلصين .
أولئك الذين يسيرون في طريق المعرفة والعبودية لك بصدق وإخلاص
وصفاء ، إنك دعوتهم إليك ، وأخلصتهم لك ، وجعلتهم في منطقة أمنك ، وهذه هي
المجموعة الوحيدة التي لا أتمكن من الوصول إليها ، أما البقية فإن بإمكاني
إيقاعهم في شباكي .
حدس وظن إبليس كان صحيحا ، إذ أنه أوجد العراقيل لكل واحد من بني آدم
عدا المخلصين الذين نجوا من فخاخه وذلك ما أكده القرآن المجيد في الآية
( 20 ) من سورة سبأ : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من
المؤمنين .
هامش
1 - تفسير البرهان ، المجلد 2 ، الصفحة 342 .