يتصور انحرافه عن هذا الأصل . . . إلا أن أهمية هذه المسألة كانت بحيث أن يكون
شخص النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - قبل كل شئ - مخاطبا بها . ليعرف الآخرون موقفهم . . . ثم إن
بناء الآخرين يبدأ من بناء شخصية الإنسان نفسه . . .
ثم يأمره الله في مرحلة أخرى أن ينطلق إلى مدى أرحب في دعوته قائلا :
وأنذر عشيرتك الأقربين . ( 1 )
ولا شك أنه للوصول إلى منهج تغييري ثوري واسع ، لابد من الابتداء من
الحلقات الأدنى والأصغر ، فما أحسن أن يبدأ النبي دعوته من أقربائه وأرحامه ،
لأنهم يعرفون سوابقه النزيهة أكثر من سواهم كما أن علائق القربى والمودة
تستدعي الاصغاء إلى كلامه أكثر من غيرهم ، وأن يكونوا أبعد من سواهم من
حيث الحسد والحقد والمخاصمة !
إضافة إلى ذلك فإن هذا الأمر يدل على أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليس لديه أية مداهنة
ولا مساومة مع أحد ، ليستثني أقرباءه المشركين عن دعوته إلى التوحيد والحق
والعدل ! . . .
وعندما نزلت هذه الآية ، قام النبي بما ينبغي عليه من أجل تنفيذ هذا الأمر
الإلهي ، وسيأتي تفصيل ذلك كله في حقل البحوث بإذن الله . . .
أما المرحلة الثالثة ، فإن الله يوصي النبي في دائرة أوسع فيقول : عليك أن
تعامل اتباعك باللطف والمحبة : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين .
وهذا التعبير الجميل الرائع كناية عن التواضع المشفوع بالمحبة واللطف ، كما
أن الطيور تخفض أجنحتها لأفراخها محبة منها لها ، وتجعلها تحت أجنحتها لتكون
مصانة من الحوادث المحتملة ، ولتحفظها من التشتت والتفرق ! فكذلك الأمر
بالنسبة للنبي إذ أمر أن يخفض جناحه للمؤمنين الصادقين .
هامش
1 - العشيرة مشتقة من " العشرة " العدد المعروف [ 10 ] وحيث أن العشرة تعتبر في نفسها عددا كاملا ، فقد سمي أقرباء الرجل
الذين يكمل بهم عشيرة ، ولعل المعاشرة مأخوذة من هذا المعنى ، لأنها تجعل الناس بصورة مجموعة كاملة .