تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
وهذا التعبير الرائع ذو المعنى الغزير يبين دقائق مختلفة في شأن محبة المؤمنين ، ويمكن إدراكها بأدنى التفاتة ! . . . وذكر هذه الجملة - ضمنا - بعد مسألة الإنذار يكشف عن هذه الحقيقة ، وهي إذا كان التعويل على الخشونة في بعض الموارد بمقتضى الضرورات التربوية ، فإنه وبلا فاصلة يأتي التعويل على المحبة والعاطفة ليتوفر منهما نمط مناسب . . . ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي أن الأعداء لم يقبلوا دعوتك وعصوا أوامرك . فلا تبتئس ولا تحزن : فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون . . . ليعرفوا موقفك منهم ! والظاهر أن الضمير في عصوك - يعود على عشيرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الأقربين . . . أي إذا لم يذعنوا بعد دعوتك إياهم للحق ، وواصلوا شركهم وعنادهم ، فعليك أن تبين موقفك منهم ، وهذا التوقع الذي احتمله القرآن حدث فعلا ، كما سنذكر ذلك في البحوث القادمة ، إذ امتنع الجميع عن قبول دعوة النبي ما عدا عليا ( عليه السلام ) . . . فبعضهم لاذ بالصمت ، وبعضهم أبدى مخالفته عن طريق الاستهزاء والسخرية . . . وأخيرا فالأمر الإلهي الخامس للنبي لإكمال مناهجه السابقة ، هو : وتوكل على العزيز الرحيم . فلا تدع لعنادهم مجالا للتأثير على عزيمتك . . . ولا لقلة الأعوان والأنصار طريقا لتوهين ارادتك ، فلست وحدك . . . وسندك وملاذك هو الله القادر العزيز الذي لا يقهر ، والرحيم الذي لاحد لرحمته . . . الله الذي سمعت وصفه في ختام قصص الأنبياء بالعزيز الرحيم ! . . . الله الذي بقدرته أحبط ظلم فرعون وغرور نمرود ، وتمرد قوم نوح ، وأنانية قوم هود ، واتباع الشهوات لقوم لوط . وكذلك أنقذ أنبياءه ورسله الذين كانوا قلة ، وشملهم برحمته الواسعة . ذلك الله الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 480 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي