أي أن محتوى هذا الكتاب العظيم الذي يدعو إلى الحق والطهارة والعدل
والتقوى ، ونفي كل أنواع الشرك ، يدل دلالة واضحة على أنه لا شباهة له بأفكار
الشياطين وما يلقونه . فالشياطين لا يصدر منهم إلا الشر والفساد ، وهذا كتاب خير
وصلاح ، فالدقة في محتواه تكشف عن أصالته .
ثم إن الشياطين ليست لهم القدرة على ذلك وما يستطيعون .
فإذا كانت لهم القدرة فينبغي على سائر من كان في محيط نزول القرآن
كالكهنة المرتبطين بالشياطين ( أو على الأقل كان المشركون يدعون بأنهم
مرتبطون بالشياطين ) أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، مع أنهم عجزوا عن الإتيان بمثله ،
وهذا العجز أثبت أن القرآن فوق قدرتهم ومستوى بلاغتهم وأفكارهم ! . . .
ومضافا إلى كل ذلك ، فإن الكهنة أنفسهم كانوا يعترفون أنهم بعد ولادة
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) انقطعت علاقتهم بالشياطين الذين كانوا يأتونهم بأخبار السماء
وإنهم عن السمع لمعزولون .
ويستفاد من سائر آيات القرآن أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء
ويسترقون السمع من الملائكة ، فينقلون ما يدور بين الملائكة من مطالب إلى
أوليائهم ، إلا أنه بظهور نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وولادته انقطع استراق السمع تماما ،
وزال الارتباط الخبري بين الشياطين وأوليائهم . . .
وهذا الأمر كان يعلم به المشركون أنفسهم ، وعلى فرض أن المشركين كانوا
لا يعلمون ، فإن القرآن أخبرهم بذلك . ( 1 )
ولذا فقد جعله القرآن دليلا في الآيات الأنفة لدحض ما يتقوله الأعداء . . .
وهكذا فقد أجاب القرآن على هذا الاتهام من ثلاثة طرق :
هامش
1 - لمزيد الإيضاح في منع الشياطين عن استراق السمع يراجع الجزء الأول من سيرة ابن هشام ، ص 217 فما بعد .