تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
إلا أن موسى - على كل حال - لم يجد بدا كسائر الباحثين الواعين اليقظين ، أن يجيب على فرعون بجد . . . وحيث أن ذات الله سبحانه بعيدة عن متناول أفكار الناس ، فإنه أخذ يحدثه عن آيات الله في الآفاق وآثاره الحية إذ قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين . فالسماوات بما فيهن من عظمة ، والأرض على سعتها . . . والموجودات المتعددة بألوانها بحيث لا تساوي أنت وقصرك بإزائها إلا ذرة في مقابل المجرة ! كلها من خلق ربي ، فمثل هذا الخالق المدبر لهذا العالم جدير بالعبادة ، لا الموجود الضعيف التافه مثلك ! . . . وينبغي الالتفات إلى أن عبدة الأوثان كانوا يعتقدون أن لكل موجود في هذا العالم ربا ، وكانوا يعدون العالم تركيبا من نظم متفرقة ، إلا أن كلام موسى ( عليه السلام ) يشير إلى أن هذا النظام الواحد المتحكم على هذه المجموعة في عالم الوجود دليل على أن له ربا واحدا . . . وجملة إن كنتم موقنين لعلها إشارة إلى أن موسى ( عليه السلام ) يريد أن يفهم فرعون ومن حوله - ولو تلويحا - أنه يعرف أن الهدف من هذا السؤال ليس إدراك الحقيقة . . . لأنه لو أراد إدراك الحقيقة والبحث عنها لكان استدلاله كافيا . . فكأنه يقول لهم : افتحوا أعينكم قليلا وتفكروا ساعة في السماوات والأرض بما فيهما من الآثار وعجائب المخلوقات . . . لتطلعوا على معالمها وتصححوا نظرتكم نحو الكون ! إلا أن فرعون لم يتيقظ من نومة الغافلين بهذا البيان المتين المحكم لهذا المعلم الكبير الرباني السماوي . . . فعاد لمواصلة الاستهزاء والسخرية ، واتبع طريقة المستكبرين القديمة بغرور ، وقال لمن حوله ألا تستمعون . ومعلوم من هم الذين حول فرعون ؟ فهم أشخاص من نسيجه وجماعة من أصحاب القوة والظلم والقهر والمال .