تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
والآية التالية تسري عن قلب النبي وتثبته فتقول : لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين . كلمة " باخع " مشتقة من ( البخع ) ( على وزن الدمع ) ! ومعناه إهلاك النفس من شدة الغم . . . وهذا التعبير يدل على مدى تحرق قلب النبي وشفقته لأمته ، وأداء رسالته ، وما كان عليه من إصرار في خطته ، وتجلد في مواجهة شدته ومحنته ، لأنه يرى القلوب المتعطشة الظامئة في جوار النبع القرآني الزلال ، ولكنها لا تزال على ظمئها ولا ترتوي من معينه العذب ، فكان يتحرق لذلك ! كان قلقا - وباخعا نفسه - أن يرى الإنسان الذي منحه الله العقل واللب يسير في الطريق المظالم ، بالرغم من كل هذا الضياء ، ويهوي في الوادي السحيق ليكون من الهالكين ! أجل ، كان جميع الأنبياء على هذه الشاكلة من الإشفاق على أممهم ولا سيما الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي ورد في شأنه هذا التعبير القرآني أكثر من مرة . . . قال بعض المفسرين : إن سبب نزول الآية الأنفة الذكر هو أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يدعو أهل مكة إلى توحيد الله باستمرار ، إلا أنهم لم يؤمنوا . فأسف النبي وتأثر تأثرا بالغا حتى بدت أماراته في وجهه ، فنزلت الآية آنفة الذكر لتسري عن قلب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ( 1 ) ولبيان أن الله على كل شئ قدير حتى أنه يستطيع أن يسوقهم إلى الإيمان به سوقا ويضطرهم إلى ذلك ، فإن الآية التالية تقول : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين . وهي إشارة إلى أن الله قادر على إنزال معجزة مذهلة - من السماء - أو أن يرسل عليهم عذابا شديدا فيذعنوا له ، يطأطئوا برؤوسهم خضوعا له ، يستسلموا
هامش
1 - تفسير أبو الفتوح الرازي ، ج 8 ذيل الآية محل البحث .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 340 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي