تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
ذلك لأن حسابهم مع هؤلاء . وأما لماذا يقال لهم هنا : لا تدعوا ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ؟ ربما كان ذلك لأن عذابهم الأليم ليس مؤقتا فينتهي بقول ( وا ثبورا ) واحدا ، بل ينبغي أن يرددوا هذه الجملة طيلة هذه المدة ، علاوة على أن العقوبات الإلهية لهؤلاء الظالمين المجرمين متعددة الألوان ، حيث يرون الموت أمام أعينهم إزاء كل مجازاة ، فتعلوا أصواتهم ب‍ ( وا ثبورا ) ، فكأنهم يموتون ثم يحيون وهكذا . ثم يوجه الخطاب إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويأمره أن يدعو أولئك إلى المقايسة ، فيقول تعالى : قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا . تلك الجنة التي لهم فيها ما يشاؤون . تلك الجنة التي سيبقون فيها أبدا خالدين . أجل ، إنه وعد الله الذي اخذه على نفسه : كان على ربك وعدا مسؤولا . هذا السؤال ، وطلب هذه المقايسة ، ليس لأن أحدا لديه شك في هذا الأمر ، وليس لأن تلك العذابات الأليمة المهولة تستحق الموازنة والمقايسة مع هذه النعم التي لا نظير لها ، بل إن هذا النوع من الأسئلة والمطالبة بالمقارنة لأجل إيقاظ الضمائر الهامدة ، حيث تجعلها أمام أمر بديهي واحد ، وعلى مفترق طريقين : فإذا قالوا في الجواب : إن تلك النعم أفضل وأعظم ( وهو ما سيقولونه حتما ) فقد حكموا على أنفسهم بأن أعمالهم خلاف ذلك . وإذا قالوا : إن العذاب أفضل من هذه النعمة ، فقد وقعوا على وثيقة جنونهم ، وهذا يشبه ما إذا حذرنا شابا ترك المدرسة والجامعة بقولنا : اعلم أن السجن هو مكان الذين فروا من العلم ووقعوا في أحضان الفساد ، ترى السجن أفضل أم الوصول إلى المقامات الرفيعة ! ؟ * * *
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 213 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي