تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
الفقر والذل ، فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب ، إعظاما للذهب وجمعه ، واحتقارا للصوف ولبسه . ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ، ومعادن العقيان ، ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرض لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء ، واضمحلت الأنباء ، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الأسماء معانيها ، ولكن الله سبحانه جعل رسله اولي قوة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى . ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام ، وملك تمتد نحوه أعناق الرجال ، وتشد إليه عقد الرحال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار وأبعد لهم في الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة ، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لأمره والاستسلام لطاعته ، أمورا له خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة . وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل " . ( 1 ) والجدير بالذكر أن البعض يرى بأن المراد بالجنة والقصور ، جنة الآخرة قصورها ، لكن هذا التفسير لا ينسجم مع ظاهر الآية بأي وجه . ( 2 ) * * *
هامش
1 - " الخطبة القاصعة " ، الخطبة 192 نهج البلاغة . 2 - وكذلك الذين قالوا : إن المقصود هو جنات الدنيا وقصور الآخرة ، فالفعلان الماضي والمضارع ( جعل ويجعل ) اللذان في الآية ، ينبغي ألا يكونا باعثا على هكذا وهم أيضا ، لأننا نعلم طبقا لقواعد الأدب العربي ، أن الأفعال في الجملة الشرطية تفقد مفهومها الزماني .