تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ( 1 ) . كل هذه الآيات تقرر أن السبب في سلب قدرة التشخيص ، وتوقف أجهزة الإدراك عن العمل يعود إلى الكفر والتكبر والتجبر واتباع الهوى واللجاج والعناد أمام الحق ، هذه الحالة التي تصيب الإنسان ، هي في الحقيقة رد فعل لأعمال الإنسان نفسه . من المظاهر الطبيعية في الموجود البشري ، أن الإنسان لو تعود على انحراف واستأنس به ، يتخذ في المرحلة الأولى ماهية ال‍ " حالة " ثم يتحول إلى " عادة " وبعدها يصبح " ملكة " وجزء من تكوين الإنسان حتى يبلغ أحيانا درجة لا يستطيع الإنسان أن يتخلى عنها أبدا . لكن الإنسان اختار طريق الانحراف هذا عن علم ووعي ، ومن هنا كان هو المسؤول عن عواقب أعماله ، دون أن يكون في المسألة جبر . تماما مثل شخص فقأ عينيه وسد أذنيه عمدا ، كي لا يسمع ولا يرى . ولو رأينا أن الآيات تنسب الختم وإسدال الغشاوة إلى الله ، فذلك لأن الله هو الذي منح الانحراف مثل هذه الخاصية . ( تأمل بدقة ) . عكس هذه الظاهرة مشهود أيضا في قوانين الطبيعة ، أي إن الفرد السائر على طريق الطهر والتقوى والاستقامة تمتد يد الله عز وجل إليه لتقوي حاسة تشخيصه وإدراكه ورؤيته ، هذه الحقيقة توضحها الآية الكريمة . يا أيها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ( 2 ) . في حياتنا اليومية صور عديدة لأفراد ارتكبوا عملا محرما ، فتألموا في البداية لما فعلوه واعترفوا بذنبهم ، لكنهم استأنسوا تدريجيا بفعلهم ، وزالت من نفوسهم حساسيتهم السابقة تجاه الذنب ، ووصل أمرهم إلى حد يجدون اللذة
هامش
1 - الجاثية ، 23 . 2 - الأنفال ، 29 .