الرّياح إلى حيث أراد و شاء ؛ فذاك معنى التّسخير .
فتخلّص ممّا فصّلناه أنّه كما يمتنع وجود بعض الممكنات من غير علّة ، كذا وجود هذا المجموع من دو علّة أيضا محال ، فيحتاج المجموع أيضا إلى مرجّح يكون مستندا إلى الواجب .
على أنّا نقول : إنّ الطّبائع الّتي يتوهّمها الدهريّة و يزعمون أنّها المؤثّر في سائر الأشياء بطريق الرّشح و الفيضان نظير الضوء المستفاد من الشّمس ، هذه تغيّرات تدلّ على إمكانها و حدوثها و افتقارها إلى الواجب تعالى ، فيمتنع أن يكون هذه الرّواشح الموهومة المتوهّمة إلها مؤثّرا موجدا صانعا ، ضرورة أنّ الطّبيعة مستلزمة للتغيّر ، و إلّا امتنع الفيضان المتوهّم حصوله في عالم الإمكان .
مضافا إلى أنّ الطّبيعة لها ابتداء و انتهاء ، و مركّب من الأجزاء ، و من الجنس و الفصل ، و من الوجود و الماهيّة ، و من الوجود و العدم ، و الإيجاب و السّلب ، و كلّ ذلك يستلزم الإمكان و الافتقار و الحدوث و التّناهي ، فيمتنع أن يكون صانعا .
مضافا إلى أنّ الطّبيعة على زعمهم إنّما تزيد و تنقص ، و ليس من شأنها الصّنع و الإيجاد ، و لذا قال عليه السّلام : « و كلّ صانع شيء فمن شيء صنع ، و اللّه لا من شيء صنع » ؛ « 1 » و الاستعداد الّذي توهّموه معدوم ، و المعدوم لا يؤثّر شيئا .
و إن فرصنا كونه موجودا ، فهو يحتاج إلى استعداد آخر ، إلى أن يدور أو يتسلسل ، فلا بدّ من انتهائه إلى الواجب الغنيّ القيّوم بذاته لذاته .
هامش
( 1 ) . كافى 1 : 135 ؛ توحيد صدوق رحمه اللّه : 43 .