و التأسّى إلى الأنبياء و الأوصياء و السّعداء ، و هذا هو الشّهادة المعنويّة المنبعثة عن الجهاد الأكبر ؛ أعنى : الجهاد مع النّفس الموجب لمقصود المستلزم لقربه و رضوانه . و هذه الحالة للنّفس من الجنّة ، لأنّ فيها رضاء الربّ تعالى . و صاحب هذا الحالة يستبشر بما قدّر اللّه تعالى له في جميع حالاته ، و يكون له شوق و ذوق و وجد في جميع حالاته ، لأنّه يرى الأشياء كلّها من المحبوب الحقيقيّ ، ناظرا إلى سبيله و رضوانه في جميع حالاته ، شاكرا لأنعمه الظّاهريّة و الباطنيّة ، صابرا لبلائه ، مستأنسا إلى ربّه ، مستوحشا عمّا سواه ، لائذا إليه غير لائذ إلى غيره ، مستغيثا به منيبا إليه ، يدعوا اللّه على وجه الرّضاء ، و لا يدعوا إلّا في مقام التسليم و الانقياد ، مبتهلا إلى اللّه سبحانه ، تضرّعا و خفية .
يدعو إلى رحمة الرّحمن مبتهلا * إلى الكريم و يرجو اللّه خيرانا
و اعلم أنّ السّالك لو تخلّف و انحطّ نفسه عن هذه المقامات الكريمة الّتي هي للنفس من المحبّة متّصف بالشّرك الخفيّ . و علامة ذلك حبّ الطّاعة و بغض المعصية ، و محبّة أولياء اللّه من حيث رجوعها إلى محبّة اللّه و أمره ، و بعض أعداء اللّه ، و التوجّه إلى اللّه ، و التسليم لأمر اللّه . و مرجع جميع ذلك إلى التولّي و التبرّي الّذين هما من لوازم الإيمان و مراتب الإيقان .
و هذا هو الصّراط المستقيم الّذي يسلك السّالك في اتّباع الشريعة ، كما قال تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ .
« 1 » و يلزمه الطريقة الرضيّة الّتي هي مقام السّلوك العرفانيّ الّذي يوصل العبد إلى مقام الحقيقة و اليقين ، كما قال تعالى :
وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ،
« 2 » و يترتّب على هذا السّلوك مقام الشّهود ، فيرى العقائد الحقّة بالعين القلبيّ ، و يرى مراتب القيامة ، كما في حديث حارثة المرويّ في الكافي : « و هذا عبد نوّر اللّه قلبه للإيمان الثّابت دون المستعار » . « 3 » و هذا هو الّذي وصل إلى مرتبة علم اليقين ؛ ثمّ منه إلى عين اليقين ؛ ثمّ إلى حقّ اليقين . و هذا هو الرّوض و الرّضوان و الجنّة المعنويّة
هامش
( 1 ) . سوره مباركه آل عمران : 31 .
( 2 ) . سوره مباركه نحل : 99 .
( 3 ) . ر . ك : كافى 2 : 54 .