و لا ينفر عنه حتّى إذا زال العائق تأذّت به كلّ التّأذي مثل المحرورين « 1 » فربما لم يحس بمرارة فمه إلى أن يصلح مزاجه فحينئذ ينفر عن الحال العارضة له .
و كذلك قد يكون الحيوان غير مشته للغذا البتة ؛ و هو أوفق شيء له بل كارها له و يبقى عليه مدّة طويلة فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه فاشتدّ جوعه و شهوته للغذاء حتّى لا يصبر عنه و يهلك عند فقدانه .
و كذلك قد يحصل سبب الألم العظيم مثل إحراق النار و تبريد الزّمهرير ؛ إلّا أنّه يحسّ البدن « 2 » آفة فلا يتأذّى البدن به حتّى يزول الآفة فيحس حينئذ بالألم « 3 » العظيم . ثم قال إذا تقررت هذه الأصول ؛ فنقول إنّ النّفس النّاطقة كمالها الخاصّ بها أن تصير عالما عقليّا مرتسما فيها صورة الكلّ و النّظام المعقول في الكل الخير الفائض في الكل مبتداء من مبدأ لكلّ و سالكا إلى الجواهر الشريفة ، التي هو مبدأ لها الروحانيّة المطلقة ؛ ثمّ الرّوحانيّة المتعلّقة نوعا بالأبدان ، ثمّ الأجسام العلويّة بهيئاتها و قواها ، ثمّ كذلك حتّى يستوفي في نفسها هيئة الوجود كلّه و تصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كلّه مشاهدا لما هو الحسن المطلق و الجمال الحقّ و متحدا به و منتقشا بمثاله و هيأته منخرطا في سلكه سايرا إلى جوهره فلتقس « 4 » هذه بالكمالات المعشوقة للقوى الآخر فتجد « 5 » هذا في المرتبة بحيث يقبح أن يقال أنّه أفضل و أتمّ منها بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه فضيلة و تماما و كثرة .
أمّا الدّوام فكيف يقاس الدّوام الأبدي بالدّوام المتغير الفاسد ؛ و أمّا شدّة الوصول فكيف يقاس ما وصوله بملاقاة السّطوح مع هو سار في جوهر قابله ، حتّى يكون بلا انفصال إذ العقل و العاقل و المعقول واحد . و « 6 » اما المدرك في نفسه فالأمر لا يخفى ، ثمّ قال و لكنّا حال كوننا في البدن و انغماسنا في الرّذائل
هامش
( 1 ) ب : الممرور .
( 2 ) الف ، ج : أن .
( 3 ) ج : اليم .
( 4 ) ب ، ج : فلنقس .
( 5 ) ب ، ج : فنجد .
( 6 ) ب : « و » ندارد .