تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وروي أنه كان الغمام يظلهم من حر الشمس وينزل عليهم المنّ والسلوى ، وجعل معهم حجر موسى عليه السلام يتفجر منه الماء دفعاً لعطشهم ، قيل : ويطلع بالليل عمود من نور يضيء لهم ولا يطول شعرهم ولا تبلى ثيابهم كما روي عن الربيع بن أنس ، وكانت تشب معهم إذا شبوا كما روى عن طاوس . وذكر غير واحد من القصاص أنهم كانوا إذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله ولا يبلى إلى غير ذلك مما ذكروه . والعادة تبعد كثيراً منه فلا يقبل إلا ما صح عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولقد سألت بعض أحبار اليهود عن لباس بني إسرائيل في التيه فقال : إنهم خرجوا من مصر ومعهم الكثير من ثياب القبط وأمتعتهم ، وحفظها الله تعالى لكبارهم وصغارهم فذكرت له حديث الظفر ، فقال لم نظفر به وأنكره فقلت له : هي فضيلة فهلا أثبتها لقومك ؟ فقال : لا أرضى بالكذب ثوباً ، واستشكل معاملتهم بهذه النعم مع معاقبتهم بالحيرة ، وأجيب بأن تلك المعاقبة من كرمه تعالى ، وتعذيبهم إنما كان للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له ولا يقطع عنه معروفه ، ولعلهم استغفروا من الكفر إذا كان قد وقع منهم ، وأكثر المفسرين على أن موسى وهارون عليهما السلام كانا معهم في التيه لكن لم ينلهما من المشقة ما نالهم ، وكان ذلك لهما روحاً وسلامة كالنار لإبراهيم عليه السلام ، ولعل الرجلين أيضاً كانا كذلك . وروي أن هارون مات في التيه واتهم به موسى عليهما السلام فقالوا : قتله لحبنا له فأحياه الله تعالى بتضرعه ، فبرأه مما يقولون ، وعاد إلى مضجعه ، ومات موسى عليه السلام بعده بسنة ، وقيل : بستة أشهر ونصف ، وقيل : بثمانية أعوام ، ودخل يوشع أريحاء بعده بثلاثة أشهر ، وقال قتادة : بشهرين ، وكان قد نبئ قبل بمن بقي من بني إسرائيل ولم يبق المكلفون وقت الأمر منهم ، قيل - ولا يساعده النظم الكريم - فإنه بعدما قبل دعوته عليه السلام على بني إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيد أن ينجو من نجا ، ويقدر وفاة النبيين عليهما السلام في محل العقوبة ظاهراً ، وإن كان ذلك لهما منزل روح وراحة ، وأنت تعلم أن الأخبار بموتهما عليهما السلام بالتيه كثيرة لا سيما الأخبار بموت هارون عليه السلام ، ولا أرى للاستبعاد محلاً ، ولعل ذلك أنكى لبني إسرائيل . وقيل : إنهما عليهما السلام لم يكونا مع بني إسرائيل في التيه ، وأن الدعاء - وقد أجيب - كان بالفرق بمعنى المباعدة في المكان بالدنيا ، وأرى هذا القول مما لا يكاد يصح ، فإن كثيراً من الآيات كالنص في وجود موسى عليه السلام معهم فيه كما لا يخفى . * ( فَلاَ تَأسَ ) * أي فلا تحزن لموتهم ، أو لما أصابهم فيه من الأسى - وهو الحزن - * ( عَلَى الْقَوْم الفاسقين ) * الذين استجيب لك في الدعاء عليهم لفسقهم ؛ فالخطاب لموسى عليه السلام كما هو الظاهر ، وإليه ذهب أجلة المفسرين . وقال الزجاج : إنه للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد - بالقوم الفاسقين - معاصروه عليه الصلاة والسلام من بني إسرائيل كأنه قيل : هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك وردهم عليك فإنهم ورثوا ذلك عنهم . . * ( واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قربانا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الأْخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) * . * ( واتْلُ عَلَيْهمْ ) * عطف على مقدر تعلق به قوله تعالى : * ( وإذ قال موسى ) * ( المائدة : 20 ) الخ ، وتعلقه به قيل : من حيث إنه تمهيد لما سيأتي إن شاء الله تعالى من جنايات بني إسرائيل بعدما كتب عليهم ما كتب وجاءتهم الرسل بما جاءتهم به من البينات . وقيل : من حيث إن في الأول الجبن عن القتل ، وفي هذا الإقدام عليه مع كون كل منهما
تفسير الآلوسي — صفحة 110 | الآلوسي