تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
والدعاء به على ما قبله ، وقرئ * ( فافرق ) * بكسر الراء * ( وبَيْنَ الْقَوْم الفاسقين ) * أي الخارجين عن طاعتك بأن تحكم لنا بما نستحقه ، وعليهم بما يستحقونه كما هو المروي عن ابن عباس والضحاك رضي الله تعالى عنهم ، وقال الجبائي : سأل عليه السلام ربه أن يفرق بالتبعيد في الآخرة بأن يجعله وأخاه في الجنة ويجعلهم في النار ، وإلى الأول ذهب أكثر المفسرين ، ويرجحه تعقيب الدعا [ بم بقوله تعالى : * ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأْرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الفاسقين ) * . * ( قَالَ فَإنَّهَا ) * فإن الفاء فيه لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء فكان ذلك إثر الدعاء ونوع من المدعو به ، وقد أخرج ابن جرير عن السدي قال : إن موسى عليه السلام غضب حين قال له القوم ما قالوا فدعا - وكان ذلك عجلة منه عليه السلام عجلها - فلما ضرب عليهم التيه ندم فأوحى الله تعالى عليه * ( فلا تأس على القوم الفاسقين ) * والضمير المنصوب عائد إلى الأرض المقدسة أي فإنها لدعائك * ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهمْ ) * لا يدخلونها ولا يملكونها ، والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد ، ومثله قول امرئ القيس يصف فرسه : جالت لتصرعني فقلت لها اقصري * إني امرؤ صرعي عليك ( حرام ) يريد إني فارس لا يمكنك أن تصر عيني ، وجوز أبو علي الجبائي - وإليه يشير كلام البلخي - أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر * ( أرْبَعينَ سَنَةً ) * متعلق - بمحرمة - فيكون التحريم مؤقتاً لا مؤبداً فلا يكون مخالفاً لظاهر قوله تعالى : * ( كتب الله لكم ) * ( المائدة : 21 ) والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة لكن - لا - بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها ، بل بعضهم ممن بقي حسبما روي أن موسى عليه السلام سار بمن بقي من بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة ، وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض عليه السلام ، وروى ذلك عن الحسن ومجاهد ، وقيل : لم يدخلها أحد ممن قال : * ( لن ندخلها أبداً ) * ( المائدة : 24 ) وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشي من ذرياتهم ، وعليه فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جعل تحريمها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة . وقوله تعالى : * ( يَتيهُونَ في الأَرْض ) * استئناف لبيان كيفية حرمانهم ، وقيل : حال من ضمير * ( عليهم ) * ، والتيه : الحيرة ، ويقال : تاه يتيه ويتوه ، وهو أتوه وأتيه ، فهو مما تداخل فيه الواو والياء ، والمعنى يسيرون متحيرين وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق . وقيل : الظرف متعلق * ( يتيهون ) * ، وروى ذلك عن قتادة فيكون التيه مؤقتاً والتحريم مطلقاً يحتمل التأبيد وعدمه ، وكان مسافة الأرض التي تاهوا فيها ثلاثين فرسخاً في عرض تسعة فراسخ كما قال مقاتل ، وقيل : اثني عشر فرسخاً في عرض ستة فراسخ ، وقيل : ستة في عرض تسعة ، وقيل : كان طولها ثلاثين ميلاً في عرض ستة فراسخ وهي ما بين مصر والشام ، وذكر أنهم كانوا ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون فيصبحون حيث يمسون ويمسون حيث يصبحون - كما قاله الحسن . ومجاهد - قيل : وحكمة ابتلائهم بالتيه أنهم لما قالوا : * ( إنا ههنا قاعدون ) * ( المائدة : 24 ) عوقبوا بما يشبه القعود ، وكان أربعين سنة لأنها غاية زمن يرعوي فيه الجاهل . وقيل : لأنهم عبدوا العجل أربعين يوماً فجعل عقاب كل يوم سنة في التيه وليس بشيء ، وكان ذلك من خوارق العادات إذ التحير في مثل تلك المسافة على عقلاء كثيرين هذه المدة الطويلة مما تحيله العادة ، ولعل ذلك كان بمحو العلامات التي يستدل بها ، أو بأن ألقي شبه بعضها على بعض . وقال أبو علي الجبائي : إنه كان بتحول الأرض التي هم عليها وقت نومهم ويغني الله تعالى عن قبوله .
تفسير الآلوسي — صفحة 109 | الآلوسي