تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
* ( فَإن يَخْرُجُواْ منْهَا ) * بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها * ( فَإنَّا دَاخلُونَ ) * فيها حينئذ ، وأتوا بهذه الشرطية - مع كون مضمونها مفهوماً مما تقدم - تصريحاً بالمقصود وتنصيصاً على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها ، وأتوا في الجزاء بالجملة الإسمية المصدرة - بأن - دلالة على تقرر الدخول وثباته عند تحقق الشرط لا محالة وإظهاراً لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر . . * ( قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالبون وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) * . * ( قَالَ رَجُلاَن منَ الَّذينَ يَخَافُونَ ) * أي يخافون الله تعالى وبه قرئ ، والمراد رجلان من المتقين وهما - كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والسدي والربيع - يوشع بن نون وكالب بن يوقنا ، وفي وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو ، وقيل : المراد بالرجلين ما ذكر ، و * ( من الذين يخافون ) * بنو إسرائيل ؛ والمراد يخافون العدو ، ومعنى كون الرجلين منهم أنهما منهم في النسب لا في الخوف ، وقيل : في الخوف أيضاً ، والمراد : أنهما لم يمنعهما الخوف عن قول الحق ، وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير أن الرجلين كانا من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى عليه السلام ، فعلى هذا يكون * ( الذين ) * عبارة عن الجبابرة ، والواو ضمير بني إسرائيل ، وعائد الموصول محذوف أي يخافونهم ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير * ( يخافون ) * بضم الياء ، وجعلها الزمخشري شاهدة على أن الرجلين من الجبارين كأنه قيل : من المخوّفين أي يخافهم بنو إسرائيل ، وفيها احتمالان آخران : الأول : أن يكون من الإخافة ، ومعناه من الذين يخوّفون من الله تعالى بالتذكير والموعظة ؛ أو يخوّفهم وعيد الله تعالى بالعقاب ، والثاني : أن معنى * ( يخافون ) * يهابون ويوقرون ، ويرجع إليهم لفضلهم وخيرهم ؛ ومع هذين الاحتمالين لا ترجيح في هذه القراءة لكونهما من الجبارين ، وترجيح ذلك بقوله تعالى : * ( أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهمَا ) * أي بالإيمان والتثبيت غير ظاهر أيضاً لأنه صفة مشتركة بين يوشع وكالب وغيرهما ، وكونه إنما يليق أن يقال لمن أسلم من الكفار لا لمن هو مؤمن في حيز المنع ، والجملة صفة ثانية - لرجلين - أو اعتراض ، وقيل : حال بتقدير قد من ضمير * ( يخافون ) * أو من * ( رجلان ) * لتخصيصه بالصفة ، أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور أي قالا مخاطبين لهم ومشجعين . * ( ادخُلُواْ عَلَيْهمُ الْبَابَ ) * أي باب مدينتهم وتقديم * ( عليها ) * عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم في بلدهم أي فاجئوهم وضاغطوهم في المضيق ولا تمهلوهم ليصحروا ويجدوا للحرب مجالاً * ( فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ ) * عليهم الباب * ( فَإنَّكُمْ غالبون ) * من غير حاجة ( إلى ) القتال فإنا قد رأيناهم وشاهدناهم أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت أجسامهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون على الكر والفر ، وقيل : إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى عليه السلام ، و ( من ) ( 2 ) قوله : * ( التي كتب الله لكم ) * ( المائدة : 21 ) ، وقيل : من جهة غلبة الظن ، وما تبينا من عادة الله تعالى في نصرة رسله ، وما عهدا من صنع الله تعالى لموسى عليه السلام في قهر أعدائه ، قيل : والأول : أنسب بتعليق الغلبة بالدخول . * ( وَعَلَى الله ) * تعالى خاصة * ( فَتَوَكَّلُواْ ) * بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها لا تؤثر من دون إذنه إن * ( كُنْتُمْ مُّؤْمنينَ ) * بالله تعالى ، والمراد بهذا الإلهاب والتهييج وإلا فإيمانهم محقق ، وقد يراد بالإيمان التصديق بالله تعالى وما يتبعه من التصديق بما وعده أي : إن كنتم مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتماً . . * ( قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون ) * . * ( قَالُواْ ) * غير مبالين بهما وبمقالتهما مخاطبين لموسى عليه السلام إظهاراً لإصرارهم