تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
* ( لأَقْتُلَنَّكَ ) * أي والله تعالى لأقتلنك بالنون المشددة ، وقرئ بالمخففة . * ( قَالَ ) * استئناف كالذي قبله أي قال الذي تقبل قربانه لما رأى حسد أخيه * ( إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ ) * أي القربان والطاعة * ( منَ الْمُتَّقينَ ) * في ذلك بإخلاص النية فيه لله تعالى لا من غيرهم ، وليس المراد من التقوى التقوى من الشرك التي هي أول المراتب كما قيل ، ومراده من هذا الجواب إنك إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها عن لباس التقوى لا من قبلي ، فلم تقتلني ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول ؟ ! وهو جواب حكيم مختصر جامع لمعان . وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظاً لا في إزالة حظه ونعمته ، فإن اجتهاده فيما ذكر يضره ولا ينفعه ، وقيل : مراده الكناية عن أن لا يمتنع عن حكم الله تعالى بوعيده لأنه متق والمتقي يؤثر الامتثال على الحياة ، أو الكناية عن أنه لا يقتله دفعاً لقتله لأنه متق فيكون ذلك كالتوطئة لما بعده ، ولا يخفى بعده ؛ وما أنعى هذه الآية على العاملين أعمالهم ، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة ، فقيل له : ما يبكيك ، فقد كنت وكنت ؟ قال : إني أسمع الله تعالى يقول : * ( إنما يتقبل الله من المتقين ) * . . * ( لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَني مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العالمين ) * . * ( لَئن بَسَطتَ إليَّ يَدَكَ لتَقْتُلَني مَا أَنَا ببَاسط يَديَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) * قيل : كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفاً من الله تعالى لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك الوقت ، وفي تلك الشريعة - كما روي عن مجاهد - وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج - قال : كانت بنو إسرائيل قد كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع منه حتى يقتله أو يدعه ، أو تحرياً لما هو الأفضل الأكثر ثواباً وهو كونه مقتولاً لا قاتلاً بالدفع عن نفسه بناءاً على جوازه إذ ذاك ، قال بعض المحققين : واختلف في هذا الآن على ما بسطه الإمام الجصاص فالصحيح من المذهب أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره وإن أدى إلى القتل ، ولذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره : إن المعنى في الآية لئن بسطت إليّ يدك على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك على وجه الظلم والابتداء ، وتكون الآية على ما قاله مجاهد وابن جريج : منسوخة ، وهل نسخت قبل شريعتنا أم لا ؟ فيه كلام ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ) * ( الحجرات : 9 ) وغيره من الآيات والأحاديث ، وقيل : إنه لا يلزم ذلك بل يجوز ، واستدل بما أخرجه ابن سعد في " الطبقات " عن خباب بن الأرت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر " فتنة القاعدة فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل " وأولوه بترك القتال في الفتنة واجتنابها وأول الحديث يدل عليه ، وأما من منع ذلك الآن مستدلاً بحديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " فقد رد بأن المراد به أن يكون كل منهما عزم على قتل أخيه وإن لم يقاتله وتقابلا بهذا القصد انتهى بزيادة . وعن السيد المرتضى أن الآية ليست من محل النزاع لأن اللام الداخلة على فعل القتل لام كي وهي منبئة عن الإرادة والغرض ، ولا شبهة في قبح ذلك أولاً وآخراً لأن المدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم طلباً للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله ، فكأنه قال له : لئن ظلمتني لم أظلمك وإنما قال سبحانه : * ( ما أنا بباسط يدي ) * في جواب * ( لئن بسطت ) * للمبالغة في أنه ليس من شأنه ذلك ولا ممن يتصف به ، ولذلك أكد النفي