تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
بالباء ولم يقل وما أنا بقاتل بل قال : * ( بباسط ) * للتبري عن مقدمات القتل فضلاً عنه ، وقدم الجار والمجرور المتعلق - بسطت - إيذاناً على ما قيل من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه ، ويخطر لي أنه قدم لتعجيل تذكيره بنفسه المنجر إلى تذكيره بالأخوة المانعة عن القتل . وقوله تعالى : * ( إنِّي أخَافُ اللَّهَ رَبَّ العالمين ) * تعليل للامتناع عن بسط يده ليقتله ، وفيه إرشاد قابيل إلى خشية الله تعالى على أتم وجه ، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله تعالى . . * ( إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظالمين ) * . * ( إنِّي أريدُ أن تَبُوأ بإثْمي وَإثْمكَ ) * تعليل آخر لامتناعه عن البسط ، ولما كان كل منهما علة مستقلة لم يعطف أحدهما على الآخر إيذانا بالاستقلال ودفعاً لتوهم أن يكون جزء علة لا علة تامة ، * ( وأصل البواء اللزوم ، وفي " النهاية " : أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي أي ألتزم وأرجع وأقر ) * ، والمعنى إني أريد باستسلامي وامتناعي عن التعرض لك أن ترجع بإثمي أي تتحمله لو بسطت يدي إليك حيث كنت السبب له ، وأنت الذي علمتني الضرب والقتل ، وإثمك حيث بسطت إلي يدك ، وهذا نظير ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً * ( المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم " أي على البادئ إثم سبه ، ومثل إثم سب صاحبه لأنه كان سبباً فيه إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفو عنه لأنه مكافئ مدافع عن عرضه ، ألا ترى إلى قوله : " ما لم يعتد المظلوم " لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم ) * كذا في " الكشاف " ، قيل : وفيه نظر لأن حاصل ما قرره أن على البادئ إثمه ومثل إثم صاحبه إلا أن يتعدى الصاحب فلا يكون هذا المجموع على البادئ ، ولا دلالة فيه على أن المظلوم إذ لم يتعد كان إثمه المخصوص بسببه ساقطاً عنه اللهم إلا بضميمة تنضم إليه ، وليس في اللفظ ما يشعر بها ، ورده في " الكشف " بأنه كيف لا يدل على سقوطه عنه ، وقوله عليه الصلاة والسلام : " فعلى البادئ " مخصص ظاهر ، وقول " الكشاف " : " إلا أن الإثم محطوط " تفسير لقوله : " فعلى البادئ " وقوله : فعليه إثم سبه ، ومثل إثم سب صاحبه تفسير لقوله : ما قالا ، فكما يدل على أن عليه إثماً مضاعفاً يدل على أن إثم صاحبه ساقط . هذا ثم قال : ولعل الأظهر في الحديث أن لا يضمر المثل ، والمعنى إثم سبابهما على البادئ ، وكان ذلك لئلا يلتزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، والقول : بأنه إذا لم يكن لما قاله غير البادئ إثم ، فيكف يقال : إثم سبابهما ، وكيف يضاف إليه الإثم مشترك الإلزام ؟ وتحقيقه أن لما قاله غير البادئ إثماً وليس على البادئ ، وليس بمناف لقوله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 164 ) لأنه بحمله عليه عدّ جانياً ، وهذا كما ورد فيمن سن سنة حسنة أو سنة سيئة ، نعم فيما نحن فيه العامل لا إثم له إنما هو للحامل ، والحاصل أن سب غير البادئ يترتب عليه شيئان ، أحدهما بالنسبة إلى فاعله وهو ساقط إذا كان على وجه الدفع دون اعتداء ، والثاني : بالنسبة إلى حامله عليه وهو غير ساقط أعني أنه يثبت ابتداءاً لا أنه لا يعفى ، وأورد في " التحقيق " أن ما ذكره من حط الإثم من المظلوم لأنه مكاف غير صحيح لأنه إذا سب شخص لم يستوف الجزاء إلا بالحاكم ، والجواب أن صريح الحديث يدل على ما ذكر في " الكشاف " ، والجمع بينه وبين الحكم الفقهي أن السب إما أن يكون بلفظ يترتب عليه الحد شرعاً فذلك سبيله الرفع إلى الحاكم ، أو بغير ذلك وحينئذ لا يخلو إما أن يكون كلمة إيحاش أو امتنان أو تفاخر بنسب ونحوه مما يتضمن إزراء بنسب صاحبه من دون شتم - كنحو الرمي بالكفر والفسق - فله أن يعارضه بالمثل ، ويدل عليه حديث زينب وعائشة رضي الله تعالى عنهما ، وقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة :
تفسير الآلوسي — صفحة 113 | الآلوسي