العرب من بني عبس - وهو خالد بن سنان عليه السلام - الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : " ذلك نبي ضيعه قومه " ولا يخفى أن الثلاثة الذين أشارت إليهم الآية رسل عيسى عليه السلام ونسبة إرسالهم إليه تعالى بناءاً على أنه كان بأمره عز وجل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك ؛ وأما خالد بن سنان العبسي فقد تردد فيه الراغب في " محاضراته " ، وبعضهم لم يثبته ، وبعضهم قال : إنه كان قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام لأنه ورد في حديث " لا نبي بيني وبين عيسى " صلى الله تعالى عليهما وسلم ، لكن في التواريخ إثباته ، وله قصة في " كتب الآثار " مفصلة ، وذكر أن بنته أتت النبي صلى الله عليه وسلم وآمنت به ، ونقش الشيخ الأكبر قدس سره له فصاً في كتابه " فصوص الحكم " ، وصحح الشهاب أنه عليه السلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأنه قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام ، وعلى هذا فالمراد ببنته الجائية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن صح الخبر - بنته بالواسطة لا البنت الصلبية إذ بقاؤهما إلى ذلك الوقت مع عدم ذكر أحد أنها من المعمرين بعيد جداً ، وكان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ألف وسبعمائة سنة في المشهور ، لكن لم يفتر فيها الوحي ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى بعث فيها ألف نبي من بني إسرائيل سوى من بعث من غيرهم .
* ( أَن تَقُولُواْ ) * تعليل لمجئ الرسول بالبيان أي كراهة أن تقولوا - كما قدره البصريون - أو لئلا تقولوا - كما يقدر الكوفيون - معتذرين من تفريطكم في أحكام الدين يوم القيامة * ( مَا جَاءَنَا من بَشير وَلاَ نذير ) * وقد انطمست آثار الشريعة السابقة وانقطعت أخبارها ، وزيادة * ( من ) * في الفاعل للمبالغة في نفي المجئ ، وتنكير بشير - و - نذير على ما قال شيخ الإسلام : للتقليل ؛ وتعقيب * ( قد جاءكم ) * ( المائدة : 15 ) الخ بهذا يقتضي أن المقدر ، أو المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت بل مشفوعة بذكر الوعد والوعيد ، والفاء في قوله تعالى : * ( فَقَدْ جَاءَكُم بَشيرٌ وَنَذيرٌ ) * تفصح عن محذوف ما بعدها علة له ، والتقدير هنا لا تعتذروا فقد جاءكم وتسمى الفاء الفصيحة ، وتختلف عبارة المقدر قبلها ، فتارة يكون أمراً أو نهياً ، وتارة يكون شرطاً كما في قوله تعالى : * ( فهذا يوم البعث ) * ، وقول الشاعر : فقد جئنا خراساناً
وتارة معطوفاً عليه كما في قوله تعالى : * ( فانفجرت ) * وقد يصار إلى تقدير القول - كما في الفرقان ( 19 ) - في قوله تعالى : * ( فقد كذبوكم ) * ، وإن شئت قدرت هنا أيضاً فقلنا : لا تعتذروا فقد الخ ، وقد صرح بعض علماء العربية أن حقيقة هذه الفاء أنها تتعلق بشرط محذوف ، ولا ينافي ذلك إضمار القول لأنه إذا ظهر المحذوف لم يكن بدّ من إضمار ليرتبط بالسابق فيقال : في البيت مثلاً ، وقلنا ، أو فقلنا : إن صح ما ذكرتم فقد جئنا خراساناً ، وكذلك ما نحن فيه فقلنا : لا تعتذروا فقد جاءكم ، ثم إنه في المعنى جواب شرط مقدر سواء صرح بتقديره أم لا لأن الكلام إذا اشتمل على مترتبين أحدهما على الآخر ترتب العلية كان في معنى الشرط والجزاء ، فلا تنافي بين التقادير . والتقادير المختلفة ، ولو سلم التنافي فهما وجهان ذكروا أحدهما في موضع والآخر في آخر - كما حققه في " الكشف " - وقد مرت الإشارة من بعيد إلى أمر هذه الفاء فتذكر ، وتنوين بشير ونذير ) للتفخيم * ( واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ ) * فيقدر على إرسال الرسل تترى ، وعلى الإرسال بعد الفترة .
* ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وآتاكم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين ) * .
* ( وَإذْ قَالَ مُوسَى لقَوْمه ) * جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما فعلت بنو إسرائيل بعد أخذ الميثاق منهم ، وتفصيل كيفية نقضهم له مع الإشارة إلى انتفاء فترة الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما بينهم ؛ و * ( إذ ) * نصب على أنه
تفسير الآلوسي — صفحة 104
مساهمون: الآلوسي
ص١٠٤